أقلام حرة شوف أشطاري ميديا

القانون رقم 69.21 المتعلق بآجال الأداء بالمغرب: المسؤولية القانونية والغرامات المالية وحلول حماية المقاولات من مخاطر التأخر في الأداء

القانون رقم 69.21 المتعلق بآجال الأداء بالمغرب: المسؤولية القانونية والغرامات المالية وحلول حماية المقاولات من مخاطر التأخر في الأداء

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

لم يعد احترام آجال الأداء في المغرب مجرد مسألة مرتبطة بالتدبير اليومي للخزينة أو بتنظيم العلاقة التجارية بين المورد والزبون، بل أصبح التزاماً قانونياً له انعكاسات مباشرة على المسؤولية المالية للمقاولات، وعلى سلامة تدبيرها المحاسبي والضريبي، وعلى قدرتها على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها تجاه الأجراء والموردين والإدارة. وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 69.21 المغير للقانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7204 بتاريخ 15 يونيو 2023، ليعزز الإطار القانوني المنظم لآجال الأداء، من خلال تحديد آجال مرجعية للتسوية، وإقرار نظام للتصريح، وفرض غرامات مالية عند الإخلال بالمقتضيات القانونية. وقد دخل النظام الجديد حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يوليوز 2023، وفقاً للرزنامة الانتقالية التي اعتمدها المشرع. <FileCite ref_id=”turn892298search12″ />

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في الاقتصاد المغربي، حيث لا تتوقف آثار التأخر في الأداء عند حدود الفاتورة غير المؤداة، بل تمتد إلى سلسلة من العلاقات الاقتصادية المترابطة. فالمقاولة التي لا تتوصل بمستحقاتها في الوقت المناسب قد تجد نفسها عاجزة عن أداء أجور مستخدميها، أو تسديد ديونها البنكية، أو أداء مستحقات مورديها، أو الوفاء بالتزاماتها الضريبية والاجتماعية. وهكذا يتحول التأخر في الأداء من مجرد خلاف تجاري إلى عامل قد يهدد التوازن المالي للمقاولة، ويؤثر في قدرتها على الاستثمار والتشغيل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي لا تتوفر دائماً على احتياطيات نقدية كافية أو مصادر تمويل بديلة.

وقد أقر المشرع المغربي هذا الإصلاح في إطار توجه يرمي إلى تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الثقة في المعاملات التجارية، والحد من الممارسات التي تجعل المورد الصغير يتحمل عملياً تكلفة تمويل نشاط المقاولة المدينة. ويشكل القانون رقم 69.21، بهذا المعنى، انتقالاً من مجرد الدعوة إلى احترام آجال الأداء إلى اعتماد آليات قانونية أكثر وضوحاً في المراقبة والتصريح والزجر، مع مراعاة رقم المعاملات وتدرج دخول المقتضيات حيز التنفيذ. <FileCite ref_id=”turn892298search0″ />

ويقوم النظام القانوني لآجال الأداء على قاعدة أساسية مفادها أن الأجل لا يجوز أن يظل مفتوحاً دون ضابط. فإذا لم يتفق الطرفان على أجل محدد، فإن الأجل القانوني للأداء هو ستون يوماً ابتداءً من تاريخ إصدار الفاتورة، أما إذا اتفقا على أجل تعاقدي، فلا ينبغي أن يتجاوز، من حيث الأصل، مائة وعشرين يوماً من تاريخ إصدارها. ويقتضي ذلك أن تتضمن العقود والطلبيات والاتفاقيات التجارية شروطاً واضحة بشأن إصدار الفواتير وتاريخ استحقاقها وكيفية تسويتها، حتى لا تتحول الخلافات المتعلقة بتاريخ الانطلاق أو بقبول الخدمة إلى وسيلة لتأخير الأداء خارج الحدود القانونية.

ومن الناحية العملية، لا يكفي أن يثبت المورد أنه أنجز الخدمة أو سلّم البضاعة، بل ينبغي أن تكون العملية مدعمة بملف محاسبي وتجاري متكامل يضم العقد أو الطلبية، والفاتورة، ووثائق التسليم أو محاضر إنجاز الخدمة عند الاقتضاء، والمراسلات المرتبطة بالمصادقة أو الاعتراض، ثم ما يثبت الأداء الفعلي. فسلامة الوثائق وتناسق تواريخها عنصران أساسيان لتحديد تاريخ الاستحقاق، وتقييم مدى احترام الأجل القانوني، وإثبات وجود تأخر يمكن أن تترتب عليه الآثار القانونية المنصوص عليها.

كما أن نطاق تطبيق القانون لا يشمل جميع المقاولات بالشروط نفسها منذ التاريخ ذاته؛ إذ اعتمد المشرع نظاماً انتقالياً مرتبطاً برقم المعاملات السنوي دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة. وبحسب هذا التدرج، دخلت المقتضيات حيز التنفيذ بالنسبة إلى المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها خمسين مليون درهم ابتداءً من فاتح يوليوز 2023، ثم بالنسبة إلى المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها عشرة ملايين درهم ولا يتعدى خمسين مليون درهم ابتداءً من فاتح يناير 2024، وأخيراً بالنسبة إلى المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها مليوني درهم ولا يتعدى عشرة ملايين درهم ابتداءً من فاتح يناير 2025. ويقتضي التطبيق السليم لهذه القواعد التحقق من رقم المعاملات المعني، والسنة المرجعية، وصفة المقاولة، وطبيعة العمليات التي تدخل في نطاق النص، بدلاً من الاكتفاء بتعميم مقتضيات القانون دون تمييز. <FileCite ref_id=”turn892298search13″ />

ويترتب على هذا التدرج أن سنة 2025 شكلت محطة مهمة في توسيع نطاق التطبيق ليشمل فئة إضافية من المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها مليوني درهم دون احتساب الضريبة. ومن ثم، فإن أي مقاولة معنية مطالبة اليوم بإدماج آجال الأداء ضمن نظامها الداخلي للمراقبة، سواء تعلق الأمر بتدبير فواتير الموردين أو بمتابعة الفواتير المستحقة لها لدى زبنائها، مع ضرورة عدم الخلط بين القواعد الخاصة بآجال الأداء في المعاملات التجارية وبين الأنظمة القانونية الأخرى التي قد تنظم بعض العقود أو الطلبات العمومية وفق نصوص خاصة.

ولا تنحصر الالتزامات في أداء الفواتير داخل الآجال المحددة، بل تشمل أيضاً التصريح بالمعلومات المتعلقة بآجال الأداء وفق الإجراءات والآجال المعمول بها لدى الإدارة الضريبية. ويبرز هنا دور الإدارة المالية والمحاسبة والمراقبة الداخلية في إعداد البيانات اللازمة انطلاقاً من السجلات المحاسبية، ومطابقتها مع أرصدة الموردين، والفواتير المسددة وغير المسددة، وتواريخ الإصدار والاستحقاق والأداء. فالتصريح لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي ينجز في نهاية السنة، وإنما نتيجة لنظام معلوماتي موثوق يسمح بتتبع كل فاتورة منذ تسجيلها إلى غاية تسويتها أو تسوية النزاع المتعلق بها.

وتتضاعف أهمية هذه المراقبة عندما تكون للمقاولة فروع متعددة، أو عندما تتعامل مع عدد كبير من الموردين، أو عندما تعتمد على أنظمة معلوماتية لا تتبادل البيانات بصورة منتظمة بين المصالح التجارية والمحاسبية والمالية. ففي مثل هذه الحالات، قد يؤدي غياب المطابقة الدورية إلى تسجيل تواريخ غير دقيقة، أو إغفال فواتير مستحقة، أو عدم التمييز بين الفواتير المتنازع بشأنها والفواتير التي لا يوجد بشأنها أي اعتراض موضوعي. ومن شأن هذه الاختلالات أن تضعف موثوقية التصريح وتزيد من مخاطر التعرض للمراقبة والغرامات.

أما من حيث المسؤولية المالية، فقد أقر القانون آلية للغرامات المرتبطة بالتأخر في الأداء، تعتمد على سعر الفائدة الرئيسي لبنك المغرب، مع زيادة بنسبة 0.85% عن كل شهر تأخير إضافي، وفق الكيفيات القانونية المقررة. كما وضع المشرع غرامات خاصة بالإخلال بواجب التصريح أو التأخر فيه، تختلف بحسب رقم المعاملات والحالة المعنية. ولذلك ينبغي عدم التعامل مع الغرامة باعتبارها مبلغاً موحداً يسري على جميع المقاولات، بل يجب الرجوع إلى النص القانوني وإلى القواعد التطبيقية المعمول بها لتحديد أساس الاحتساب، والفترة المعنية، وطبيعة المخالفة، ومبلغ الغرامة المستحق. <FileCite ref_id=”turn892298search8″ />

وتستدعي هذه المقتضيات التمييز بين المسؤولية القانونية عن عدم احترام آجال الأداء، والمسؤولية التدبيرية عن ضعف نظام المراقبة الداخلية. فقد تكون المخالفة ناتجة عن ضائقة مالية حقيقية، أو عن سوء برمجة الخزينة، أو عن نزاع تجاري جدي بشأن جودة البضاعة أو الخدمة، أو عن خلل إداري في معالجة الفواتير. غير أن وجود صعوبات مالية أو تنظيمية لا يشكل، في حد ذاته، مبرراً عاماً لإهمال الالتزامات القانونية. لذلك يتعين على إدارة المقاولة أن توثق أسباب التأخر، وأن تتعامل مع الاعتراضات التجارية في الوقت المناسب، وأن تتجنب ترك الفواتير معلقة دون قرار أو مبرر قابل للإثبات.

وتبرز في هذا الإطار أهمية دور المدير المالي والمحاسب والخبير المحاسبي والمراجع الداخلي، كل في حدود اختصاصاته ومسؤولياته القانونية والمهنية. فالتدبير الوقائي لا يبدأ عند التوصل بإشعار بالمخالفة، بل يبدأ من لحظة التفاوض على العقد، مروراً بمرحلة استلام الفاتورة وتسجيلها والتحقق منها، وانتهاءً ببرمجة الأداء ومطابقة الحسابات. ويقتضي ذلك وضع مسطرة مكتوبة تحدد المسؤول عن استلام الفواتير، وآجال التحقق والمصادقة، وكيفية معالجة الاعتراضات، ومستويات الترخيص بالأداء، وآلية التصعيد عند اقتراب تاريخ الاستحقاق.

ولكي يكون هذا النظام فعالاً، ينبغي اعتماد جدول مركزي لآجال الأداء يتضمن، على الأقل، اسم المورد، ورقم الفاتورة، وتاريخ إصدارها، ومبلغها، وتاريخ الاستحقاق، والمبالغ المؤداة، والرصيد المتبقي، وحالة الاعتراض عند وجوده، وعدد أيام التأخر، والإجراء التصحيحي المتخذ. ومن الأفضل أن يكون هذا الجدول مرتبطاً بالنظام المحاسبي وبخطة الخزينة، مع تنبيهات تلقائية قبل حلول آجال الأداء، وتقارير دورية ترفع إلى الإدارة العامة بشأن الفواتير القريبة من الاستحقاق والفواتير المتأخرة والمبالغ المعرضة للمخاطر.

إن الحل المستدام لا يتمثل في الأداء العشوائي للفواتير الأكثر إلحاحاً، ولا في تأجيل مستحقات الموردين كلما واجهت المقاولة ضغطاً على السيولة، وإنما في التوفيق بين الالتزام القانوني والتوازن المالي. ويتطلب ذلك إعداد توقعات نقدية شهرية، وتحسين تحصيل مستحقات الزبناء، وإعادة التفاوض بشأن شروط التمويل عندما يكون ذلك ممكناً، وتحديد أولويات الإنفاق وفق الالتزامات القانونية والتعاقدية، مع تجنب اللجوء إلى ممارسات تضر بالموردين أو تنقل إليهم عبء الاختلال المالي للمقاولة المدينة.

كما أن الوقاية من المخاطر تقتضي إجراء افتحاص دوري لعينة من الفواتير، ومقارنة تواريخها مع تواريخ الأداء الفعلية، والتحقق من سلامة التصريحات المقدمة، ومراجعة العقود التي تتضمن آجالاً طويلة أو شروطاً غامضة. ويمكن أن تكشف هذه المراجعة عن اختلالات لا تظهر في القوائم المالية وحدها، مثل الفواتير التي ظلت خارج دورة المصادقة، أو المبالغ التي جرى أداؤها دون تحديث الأرصدة، أو الاختلاف بين البيانات التجارية والقيود المحاسبية. ومن هنا تبرز القيمة العملية للافتحاص الداخلي بوصفه أداة لتصحيح المساطر قبل أن تتحول الاختلالات إلى منازعات أو غرامات.

وبالنسبة إلى المقاولات التي تعرف تراكمات مهمة في الفواتير غير المسددة، فإن أول خطوة عملية تتمثل في إنجاز تشخيص شامل للوضعية، مع تصنيف الديون حسب تاريخ الاستحقاق، وحجم المبلغ، وطبيعة العلاقة التعاقدية، ووجود نزاع من عدمه. ثم ينبغي إعداد خطة تسوية واقعية تحترم القانون، وتحدد المسؤوليات والآجال، وتربط كل إجراء بوثيقة إثبات. أما عند وجود خلاف جدي حول الفاتورة، فينبغي توثيق أسباب الاعتراض ومراسلة الطرف المعني دون تأخير، مع الاحتفاظ بجميع الوثائق التي تبرر الموقف المتخذ، بدلاً من ترك النزاع دون متابعة أو استعماله بصورة آلية لتبرير عدم الأداء.

إن الرهان الحقيقي للقانون رقم 69.21 لا يكمن فقط في فرض الغرامات، بل في إرساء ثقافة اقتصادية تعتبر احترام آجال الأداء جزءاً من الحكامة الجيدة، وعنصراً أساسياً في الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين. فالمقاولة التي تؤدي مستحقات مورديها في الوقت المناسب تعزز مصداقيتها التجارية، وتخفض تكاليف النزاع، وتحافظ على استقرار سلسلة التوريد، بينما المقاولة التي تجعل التأخر في الأداء وسيلة دائمة لتمويل نشاطها قد تعرض نفسها لمخاطر قانونية ومالية تتجاوز بكثير ما تحققه من سيولة مؤقتة.

وعليه، فإن احترام آجال الأداء يجب أن يتحول من التزام قانوني منفصل إلى مؤشر من مؤشرات الأداء المالي والتدبيري، يراقب بصفة منتظمة من طرف الإدارة العامة، وتدرج نتائجه ضمن التقارير المالية وتقارير المراقبة الداخلية. فالحكامة المالية السليمة لا تقاس فقط بقدرة المقاولة على تحقيق رقم معاملات مرتفع أو تسجيل أرباح محاسبية، بل تقاس كذلك بقدرتها على تحويل هذه النتائج إلى تدفقات نقدية فعلية، والوفاء بالتزاماتها في مواعيدها، والحفاظ على علاقات تجارية متوازنة ومستدامة.

إن القانون رقم 69.21 يضع المقاولات أمام مسؤولية واضحة: تنظيم آجال الأداء، وضبط المعلومات المحاسبية المرتبطة بها، واحترام واجبات التصريح، واتخاذ التدابير اللازمة لتفادي التأخر غير المبرر. وبين النص القانوني والممارسة اليومية، تظل الوقاية والمراقبة والتخطيط المالي أفضل من معالجة المخالفة بعد وقوعها. فكل فاتورة غير مضبوطة، وكل أجل غير متتبع، وكل تصريح غير مدقق، قد يتحول إلى مصدر خطر كان بالإمكان تفاديه بنظام محاسبي واضح، ومسؤوليات محددة، وحكامة مالية تقوم على الشفافية والانضباط وحسن التدبير.

عبد الواحد الحسناوي
مراسل

عبد الواحد الحسناوي

يساهم في تغطية الأخبار وإنتاج المحتوى التحريري لشوف أشطاري.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *