أقلام حرة شوف أشطاري ميديا

الخبرة القضائية في زمن التوثيق الرقمي: الكاميرا الصدرية بين الحماية و حقوق الأطراف

الخبرة القضائية في زمن التوثيق الرقمي: الكاميرا الصدرية بين الحماية و حقوق الأطراف

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لم تعد الخبرة القضائية في المغرب مجرد عملية تقنية تنتهي بإعداد تقرير مكتوب، بل أصبحت ممارسة مهنية دقيقة تتقاطع فيها المعطيات المحاسبية والتقنية والقانونية والإلكترونية، وتشارك فيها في كثير من الأحيان أطراف متعددة، لكل واحد منها تصريحاته وملاحظاته ووثائقه ومواقفه. ومع اتساع حجم الملفات وتشعب المنازعات وتزايد وسائل الإثبات الرقمية، أصبح من المشروع مهنياً طرح سؤال جديد: هل حان الوقت لاعتماد وسائل حديثة لتوثيق بعض مراحل أعمال الخبرة، ومن بينها استعمال الكاميرا الصدرية، بعد إعلام الأطراف واحترام حقوقهم والضوابط القانونية ذات الصلة؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني الدعوة إلى تحويل مكتب الخبير أو اجتماعات الخبرة إلى فضاء للمراقبة، ولا يعني أن التسجيل المرئي أو الصوتي يمكن أن يحل محل المحضر أو التقرير أو الإجراءات التي يفرضها القانون. المقصود هو البحث عن وسيلة تقنية إضافية تساعد على حماية جميع أطراف العملية، بمن فيهم الخبير نفسه، من الخلافات التي قد تنشأ لاحقاً حول ما قيل أو ما وقع أو من حضر أو ما تم الاتفاق عليه أثناء مباشرة المهمة.
وتكتسي المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الخبرة القضائية باعتبار الخبير من مساعدي القضاء، وهي مهنة نظمها القانون رقم 45.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.01.126 بتاريخ 22 يونيو 2001. كما أن الإطار التنظيمي عرف تطوراً حديثاً مع صدور قرار وزير العدل رقم 1789.25 بتاريخ 14 يوليوز 2025 المتعلق بأنواع الخبرة ومقاييس التأهيل للتسجيل في جداول الخبراء القضائيين. وهذا التطور يؤكد أن تنظيم المهنة ليس جامداً، وأن تحديث أدواتها جزء من النقاش المشروع حول جودة العدالة والخبرة.
وفي المقابل، فإن إدخال الكاميرا في العملية المهنية يجب ألا يتم بعقلية تقنية صرفة، لأن الصورة والصوت ليسا مجرد ملفات إلكترونية. فالقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي يعتبر الصوت والصورة من المعطيات ذات الطابع الشخصي متى أمكن ربطهما بشخص محدد أو قابل للتحديد، كما يعتبر التسجيل والحفظ والاستعمال والإرسال من عمليات معالجة هذه المعطيات. وقد صدر القانون المذكور بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.15 بتاريخ 18 فبراير 2009، ونشر في الجريدة الرسمية عدد 5711 بتاريخ 23 فبراير 2009.
ومن هنا فإن استعمال الكاميرا الصدرية ينبغي أن يقوم على قاعدة بسيطة ولكن أساسية: لا تسجيل سري، ولا استعمال مفتوح، ولا احتفاظ غير محدد، ولا تداول خارج الغرض المهني المشروع. فالخبير الذي يختار استعمال هذه الوسيلة يجب أن يكون قادراً على بيان سبب التسجيل، وكيفية إخبار الأطراف، والغاية المحددة منه، والجهة التي ستتولى حفظه، ومن له الحق في الاطلاع عليه، والمدة التي سيحتفظ خلالها به، والإجراءات المتخذة لحمايته من الولوج أو النسخ أو النشر غير المصرح به.
وتزداد أهمية هذه الضوابط عندما يتعلق الأمر بخبرة محاسبية أو مالية أو تجارية، لأن الاجتماع الواحد قد يتضمن أرقاماً بنكية، وعقوداً، وفواتير، وبيانات أجور، ومعلومات جبائية، ومعطيات تخص شركاء أو مستخدمين أو زبناء أو موردين. ولذلك فإن تسجيل كل ما يدور في المكان دون تحديد مسبق لنطاق التسجيل قد يكون مبالغاً فيه وغير متناسب مع الغرض المقصود.
والأكثر أماناً من الناحية المهنية هو أن يكون التسجيل، عند اعتماده، محدوداً في الزمن والموضوع، وأن يرتبط مباشرة بالإجراء الذي يقوم به الخبير. ويمكن مثلاً أن يبدأ التسجيل عند افتتاح جلسة المشارطة أو المعاينة المحددة، وأن يتوقف عند نهايتها، مع تجنب تصوير الوثائق أو الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالمهمة، ما لم تكن هناك ضرورة مهنية وقانونية واضحة لذلك.
ولا ينبغي كذلك أن يفهم من الاقتراح أن التسجيل الإلكتروني سيصبح هو الوثيقة الأصلية. فالمحضر يظل وثيقة أساسية ضمن مسار الخبرة، والتسجيل لا ينبغي أن يحل محل المحضر أو التقرير، وإنما يمكن أن يكون وسيلة احتياطية للتوثيق. وهذه نقطة جوهرية حتى لا يتحول إدخال التكنولوجيا إلى تغيير غير مقصود في طبيعة الإجراءات القانونية.
إن التطور التشريعي نفسه يدفع نحو التفكير في هذه المسائل بطريقة أكثر حداثة. فبوابة وزارة العدل تعرض حالياً القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الصادر في 11 فبراير 2026، إلى جانب النص السابق المحين، وهو ما يعكس استمرار تحديث الإطار الإجرائي المدني بالمغرب. لذلك فإن النقاش حول الأدوات الرقمية في الخبرة لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن التحولات التي يعرفها النظام القضائي والإجرائي المغربي.
ومن الزاوية العملية، فإن وجود تسجيل منضبط قد يوفر حماية للخبير في حالات معينة. فإذا ادعى أحد الأطراف لاحقاً أنه لم يحضر الاجتماع، أو أنه لم يدل بتصريح معين، أو أن الخبير منعه من إبداء ملاحظاته، أو أن واقعة معينة جرت أثناء المعاينة، فإن وجود وسيلة توثيق إضافية قد يساعد في إعادة بناء تسلسل العملية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن التسجيل سيحسم وحده النزاع أو تكون له حجية مطلقة.
وفي الاتجاه نفسه، يمكن أن يستفيد الأطراف من هذه الوسيلة، لأن الحماية لا ينبغي أن تكون موجهة إلى الخبير وحده. فالطرف الذي يشارك في اجتماع خبرة طويل أو معقد له أيضاً مصلحة في أن تكون الإجراءات واضحة وشفافة، وأن لا تنسب إليه أقوال لم تصدر عنه، أو مواقف لم يتخذها، أو موافقات لم يمنحها.
غير أن هذه الحماية المتبادلة لن تتحقق إلا إذا كان التسجيل معلناً ومحدداً. ولذلك فإن عبارة بسيطة من قبيل «تم تسجيل الاجتماع» لا تكفي مهنياً. الأفضل أن يبين المحضر أن الأطراف تم إعلامهم بوجود التسجيل، وأن الغرض منه هو توثيق مجريات العملية المرتبطة بالمهمة، وأن التسجيل لا يعوض المحضر ولا التقرير، وأن طريقة حفظه واستعماله تخضع للضوابط القانونية المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
كما ينبغي التفكير في حالة الرفض. فإذا رفض أحد الأطراف التسجيل، فلا ينبغي أن يتحول استعمال الكاميرا إلى وسيلة ضغط عليه، بل يجب إثبات رفضه في المحضر والاستمرار في احترام الإجراءات المهنية والقانونية العادية. فالغرض من التكنولوجيا هو تعزيز الثقة وليس فرضها بالقوة.
وقد يبدو هذا التفصيل إجرائياً، لكنه في الحقيقة جوهر المسألة. فالقيمة المهنية للتسجيل لا تتوقف على جودة الكاميرا أو دقة الصوت والصورة، وإنما على سلامة الطريقة التي تم بها الحصول عليه وحفظه واستعماله. وكلما كانت قواعد التسجيل واضحة ومعلنة، قلت إمكانية تحويله لاحقاً إلى مصدر لنزاع جديد.
وتجدر الإشارة إلى أن حماية المعطيات الشخصية ليست مسألة نظرية في المغرب؛ فاللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تتعامل فعلياً مع أنظمة المراقبة بالفيديو باعتبارها عمليات معالجة تخضع للإطار القانوني، وتظهر في السجل الوطني لمعالجة المعطيات ملفات تتعلق بأنظمة المراقبة بالفيديو، بما يؤكد أن التعامل مع الصورة والتسجيل يحتاج إلى مقاربة امتثال وليس مجرد قرار تقني.
ولهذا فإنني أرى أن النقاش المهني الأنسب ليس حول سؤال «هل نضع الكاميرا أم لا؟»، وإنما حول سؤال أكثر نضجاً: كيف يمكن استعمال وسائل التسجيل الحديثة في الخبرة القضائية بطريقة تحمي الخبير والأطراف ولا تمس بحقوقهم؟
ومن المفيد، في هذا الإطار، أن تبادر الهيئات المهنية والخبراء إلى إعداد نموذج موحد أو بروتوكول مهني يحدد شروط استعمال التسجيل، وطريقة إعلام الأطراف، ونموذج الموافقة أو الرفض، وكيفية تحديد مدة التسجيل، وآليات حفظه وتأمينه، والجهة المخولة بالاطلاع عليه، وكيفية تقديمه للجهة القضائية المختصة عند الاقتضاء، وحالات حذفه أو إتلافه بعد انتهاء الغرض المشروع منه.
إن اعتماد مثل هذا البروتوكول سيكون أكثر أماناً من ترك كل خبير يضع قواعده الخاصة، لأن توحيد الممارسة يقلل من المخاطر المهنية ويعطي للأطراف وضوحاً مسبقاً بشأن حقوقهم والتزاماتهم.
وفي تقديري، يمكن أن تصبح الكاميرا الصدرية، إذا استعملت وفق هذه الشروط، جزءاً من منظومة حديثة لتوثيق أعمال الخبرة، إلى جانب المحضر والتقرير والوثائق الإلكترونية وغيرها من وسائل التوثيق. لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة إلزامية عامة قبل وجود أساس قانوني وتنظيمي ومهني واضح يحدد حالات استعمالها وشروطها.
فالخبير القضائي ليس شرطياً، والمشارطة ليست عملية مراقبة، والطرف ليس شخصاً خاضعاً للتصوير دون علمه. إنما نحن أمام عملية مهنية ذات طبيعة قضائية، تقوم على الثقة والاستقلال والتجرد والسرية واحترام حقوق جميع الأطراف.
ومن ثم فإن استعمال الكاميرا الصدرية ينبغي أن ينطلق من فلسفة واحدة: التوثيق من أجل الحماية، وليس التسجيل من أجل المراقبة.
وإذا أمكن تحقيق هذا التوازن، فقد لا تكون الكاميرا الصدرية مجرد جهاز إلكتروني يحمله الخبير، بل أداة من أدوات تحديث الممارسة المهنية وتعزيز الشفافية والحد من المنازعات المرتبطة بوقائع الاجتماعات والمعاينات، مع بقاء المحضر والتقرير والإطار القانوني المنظم للخبرة في موقعهما الأساسي.
وفي النهاية، فإن التكنولوجيا لا تمنح المشروعية للعمل المهني، وإنما طريقة استعمالها هي التي تحدد ما إذا كانت ستصبح وسيلة لتعزيز الثقة أو سبباً لنزاع جديد. ولهذا فإن الخطوة الصحيحة ليست تعميم الكاميرا فوراً، وإنما فتح نقاش مهني وقانوني مسؤول حول شروط استعمالها، وربما عرض المقترح على الجهات المختصة في حماية المعطيات الشخصية والعدالة، قبل اعتماد نموذج موحد يحمي الخبير والأطراف معاً.

عبد الواحد الحسناوي
مراسل

عبد الواحد الحسناوي

يساهم في تغطية الأخبار وإنتاج المحتوى التحريري لشوف أشطاري.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *