بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
تدخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان مرحلة اقتصادية دقيقة تتداخل فيها تداعيات الصراعات الجيوسياسية مع التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، في وقت يبرز فيه الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم محركات الإنتاجية والابتكار وإعادة تشكيل أسواق العمل خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، ينظم البنك الدولي يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ابتداءً من الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، نقاشاً مباشراً بمناسبة إطلاق تقرير حول النمو الاقتصادي والآفاق غير المتكافئة للذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، بمشاركة أوسمان ديون، نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون المنطقة، إلى جانب عدد من الخبراء والمتخصصين.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى أن الصراعات المستمرة في أجزاء من المنطقة لا تفرض فقط تكاليف بشرية واجتماعية، وإنما تمتد آثارها إلى الاستثمار والتجارة والبنية التحتية والمالية العامة وفرص العمل والنشاط الاقتصادي، بما يجعل مسارات النمو مختلفة بشكل واضح بين دولة وأخرى.
وفي المقابل، يفتح التطور السريع للذكاء الاصطناعي نافذة جديدة أمام اقتصادات المنطقة، لكنه لا يقدم فرصاً متساوية للجميع. فالدول التي تمتلك بنية رقمية متقدمة، ورأس مال بشري مؤهلاً، ومؤسسات قادرة على تبني التكنولوجيا، ستكون في وضع مختلف عن الاقتصادات التي ما تزال تواجه فجوات في الاتصال الرقمي والتعليم والمهارات والتمويل والبيئة التنظيمية.
ولا يتعلق الرهان بالذكاء الاصطناعي في حد ذاته، وإنما بقدرة الاقتصادات على تحويله إلى إنتاجية واستثمارات وفرص عمل وقيمة مضافة. فالتكنولوجيا يمكن أن تساعد الشركات والإدارات على تحسين الكفاءة وخفض بعض التكاليف وتسريع الخدمات واتخاذ قرارات أكثر اعتماداً على البيانات، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد تشكيل طبيعة عدد كبير من الوظائف، الأمر الذي يجعل الاستثمار في التعليم وإعادة التأهيل والتكوين المستمر جزءاً أساسياً من أي استراتيجية للتحول الرقمي.
وتتزايد أهمية هذا التحول بالنسبة إلى الاقتصادات العربية التي تسعى إلى تنويع مصادر النمو بعيداً عن القطاعات التقليدية، خصوصاً من خلال تطوير الخدمات الرقمية والاقتصاد المعرفي والابتكار وريادة الأعمال. غير أن الاستفادة الفعلية من الذكاء الاصطناعي تتطلب بيئة متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، وتمويل الابتكار، وتطوير الكفاءات البشرية.
كما أن تفاوت الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي داخل المنطقة نفسها يفرض مقاربة أكثر دقة؛ إذ لا يمكن التعامل مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان باعتبارها كتلة اقتصادية متجانسة. فالفوارق في مستويات الدخل والاستقرار والاستثمار والبنية التحتية والقدرات المؤسسية والمهارات الرقمية تؤدي بالضرورة إلى اختلاف القدرة على استيعاب التكنولوجيا وتحويلها إلى نمو اقتصادي مستدام.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير اقتصادات المنطقة، بل كيف ستستعد كل دولة ومؤسسة ومجتمع لهذه التحولات، ومن سيستفيد منها، وكيف يمكن الحد من مخاطر اتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية؟
ويأتي النقاش الذي يستضيفه البنك الدولي في توقيت بالغ الأهمية، لأنه يجمع بين مسارين متلازمين: مسار اقتصادي تحكمه آثار الصراعات وعدم اليقين، ومسار تكنولوجي سريع قد يعيد تعريف الإنتاج والعمل والاستثمار. وبين المسارين تتحدد قدرة دول المنطقة على بناء نموذج نمو أكثر مرونة وقدرة على خلق فرص جديدة.
إن مستقبل الاقتصاد الإقليمي لن يتوقف على حجم الاستثمارات في التكنولوجيا فقط، وإنما على جودة المؤسسات، وكفاءة رأس المال البشري، وقدرة القطاع الخاص، وفعالية السياسات العمومية، ومدى تحويل الابتكار الرقمي إلى إنتاجية حقيقية. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي قد يمثل فرصة تاريخية لتسريع التنمية، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عامل جديد لتوسيع الفوارق إذا لم ترافقه سياسات شاملة للاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والمهارات.
وفي هذا الإطار، يكتسي النقاش المباشر الذي ينظمه البنك الدولي يوم 8 أكتوبر أهمية تتجاوز تقديم تقرير اقتصادي جديد، ليطرح سؤالاً استراتيجياً حول مستقبل اقتصادات المنطقة: كيف يمكن الانتقال من إدارة آثار الأزمات إلى بناء اقتصادات أكثر إنتاجية وابتكاراً وقدرة على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي?
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.