أخبار وطنية شوف أشطاري ميديا

تطوان و قصة أحمد بن العربي بن الأحمر وسؤال النسب إلى آخر ملوك غرناطة

تطوان و قصة أحمد بن العربي بن الأحمر وسؤال النسب إلى آخر ملوك غرناطة

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في أحد أعداد مجلة Estampa الإسبانية الصادرة بمدريد يوم 28 نونبر 1931، ظهر تحقيق صحفي يحمل قصة تبدو وكأنها كُتبت لتجسيد تقلّب أحوال التاريخ: رجل بسيط يعيش بمدينة تطوان، اسمه أحمد بن العربي بن الأحمر، قُدِّم للقراء باعتباره من ذرية الأسرة النصرية التي حكمت غرناطة، آخر دولة إسلامية في الأندلس. وتؤكد فهارس صحافة تلك المرحلة وجود مجلة Estampa الأسبوعية وارتباط اسم الصحفي Vicente Sánchez Ocaña بهيئة تحريرها في سنة 1931.

الحكاية تكتسب قوتها من المفارقة قبل أي شيء آخر. فبنو نصر، المعروفون كذلك ببني الأحمر، حكموا إمارة غرناطة لنحو 260 سنة، من 1232 إلى 1492، وتعاقب على حكمها نحو 23 سلطانًا، وارتبط عهدهم ببناء وتوسعة واحدة من أشهر التحف المعمارية في العالم الإسلامي، وهي قصور الحمراء. وفي 2 يناير 1492 انتهى الحكم الإسلامي في غرناطة بتسليم المدينة للملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا، بعد اتفاقات الاستسلام المبرمة أواخر سنة 1491.

وبعد أكثر من 439 سنة على سقوط غرناطة، التقى الصحفي الإسباني سنة 1931 في تطوان رجلًا لم يكن يعيش شيئًا من حياة القصور التي يستحضرها اسمه. بحسب التحقيق المنشور آنذاك، عرّف الرجل نفسه باسم أحمد بن العربي بن الأحمر، وقال إنه ولد في منطقة مرتبطة بقبيلة بني إيدر شمال المغرب، وإن والده وجده وجد أبيه اشتغلوا بالزراعة، وإنه مارس الفلاحة بدوره قبل أن يغادر البادية إلى تطوان بحثًا عن مصدر رزق أفضل.

لم يكن أحمد وزيرًا ولا قائدًا ولا صاحب أملاك واسعة. اشتغل، وفق الرواية الصحفية، في الأفران، ثم تغير وضعه قليلًا بعدما ربح قرابة 4.000 من العملة المتداولة آنذاك في اليانصيب الإسباني، فافتتح دكانًا صغيرًا وأصبح يشتغل لحسابه الخاص. كان متزوجًا وله ثلاثة أبناء: ولدان وبنت. هنا تبلغ المفارقة ذروتها: اسم ارتبط في كتب التاريخ بالحمراء وغرناطة يظهر بعد أربعة قرون في حياة رجل يكسب رزقه من العمل اليومي في أزقة تطوان.

لكن الدقة التاريخية تفرض علينا التوقف عند نقطة أساسية. فالقول إن أحمد بن العربي بن الأحمر كان حفيدًا مباشرًا موثقًا لأبي عبد الله محمد الصغير لا يمكن التعامل معه اليوم باعتباره حقيقة نسبية محسومة لمجرد ورودها في تحقيق صحفي. ما تثبته المصادر هو أن أبا عبد الله، المعروف في المصادر الإسبانية باسم Boabdil، غادر الأندلس بعد سقوط غرناطة واستقر لاحقًا في فاس بالمغرب، وأن المصادر التاريخية القديمة تحدثت عن وجود ذريته فيها. بل تذكر روايات منسوبة إلى المؤرخ المقري أنه التقى في القرن السابع عشر بعض أحفاده الذين كانت أوضاعهم المعيشية متواضعة. أما ربط أفراد محددين في القرن العشرين بسلسلة نسب متصلة إليه، فيحتاج إلى وثائق أنساب مستقلة لا يوفرها التحقيق الصحفي وحده.

وهذه الملاحظة لا تقلل من القيمة التاريخية للقصة، بل تجعلها أكثر إثارة. فالصحفي سأله، وفق النص المنشور، إن كان يعرف أنه ينحدر من ملوك غرناطة، فجاء جوابه مقتضبًا بمعنى: «هذا ما يقولونه». وحين سئل عما يعرفه من تاريخ الأسرة، أحال إلى عمه الحاج عبد الرحمن، الذي وصفه بأنه كان متعلمًا كثير السفر وحج إلى مكة، وكان يتحدث عن إسبانيا وغرناطة وعن أصل العائلة.

وتأخذ القصة بعدًا أكثر مأساوية عندما يخبر أحمد محاوريه بأن هذا العم توفي إثر قصف جوي إسباني خلال صراعات شمال المغرب. وإذا صح ضبط الواقعة في سياق حرب الريف 1921–1926، فإننا نصبح أمام صورة تاريخية عجيبة: أسرة تقول روايتها إنها خرجت من الأندلس بعد نهاية الحكم الإسلامي، ثم فقد أحد أفرادها بعد قرون حياته في حرب كان الطيران الإسباني طرفًا فيها على أرض المغرب. غير أن نسبة الواقعة العسكرية الدقيقة ومكانها تستحق بدورها توثيقًا مستقلًا قبل الجزم بتفاصيلها.

وسأله الصحفي كذلك إن كان قد زار إسبانيا أو يرغب في رؤية غرناطة والحمراء والبيازين وجنة العريف. لم يقدم الرجل جوابًا حماسيًا كما قد ينتظر قارئ أسير للرمزية التاريخية. فالصحافة صورته رجلًا بسيطًا بعيدًا عن الخطابات الكبرى، يحمل اسمًا تاريخيًا لكنه منشغل بحياته وأسرته وتجارته أكثر من انشغاله بمجد مضى قبل قرون.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للقصة. فالتاريخ لا ينتقل من جيل إلى آخر بالطريقة التي تحفظ بها الأحجار نفسها. قد يبقى قصر الحمراء قائمًا منذ قرون، بينما تتغير حياة من ينتسبون إلى من بناه أو حكموا فيه تغيرًا كاملًا. وقد يتحول السلطان إلى خبر في الكتب، والقصر إلى معلمة عالمية، والذرية ـ إن ثبتت ـ إلى مزارعين وحرفيين وتجار يعيشون مثل بقية الناس.

وتؤكد الأبحاث الحديثة أن انتقال أفراد من البيت النصري إلى المغرب بعد سنة 1492 أمر تاريخي ثابت في أصله، وأن فاس شكلت وجهة مهمة لعدد منهم، بينما ظلت مسألة تحديد الفروع اللاحقة وأنسابها الدقيقة موضوعًا يحتاج إلى التمييز بين الوثيقة التاريخية والرواية العائلية. كما تكشف دراسة أكاديمية منشورة في مجلة Al-Qantara التابعة للمجلس الأعلى للبحوث العلمية الإسباني جانبًا من تشعب أنساب الأسرة النصرية بعد سقوط غرناطة، وهو ما يدل على أن المسألة أكثر تعقيدًا من اختزالها في شخص واحد أو خط نسب واحد.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة صورة أحمد بن العربي بن الأحمر في تطوان سنة 1931 لا باعتبارها مجرد قصة «ملك أصبح خبازًا»، وهي عبارة جذابة لكنها غير دقيقة، وإنما بوصفها وثيقة اجتماعية عن المسافة الهائلة التي يمكن أن تفصل بين اسم تاريخي وحياة صاحبه بعد مرور أكثر من أربعة قرون.

فمن 1232، تاريخ نشأة الدولة النصرية، إلى 1492، تاريخ سقوط غرناطة، ثم إلى 1931، تاريخ ظهور أحمد في التحقيق الصحفي، مرت قرابة سبعة قرون من التحولات السياسية والاجتماعية والهجرات والحروب. وبين قصور الحمراء ودكان تطوان الصغير تختصر قصة واحدة معنى يعرفه التاريخ جيدًا: الدول تزول، والثروات تتبدل، والألقاب تفقد سلطانها، ويبقى الإنسان في النهاية مطالبًا بأن يعيش من عمل يده.

ولعل أكثر ما يلخص المشهد ليس البحث عن إثبات أن الرجل كان وريثًا لعرش ضائع، بل المفارقة الإنسانية نفسها: صحفي إسباني جاء يبحث في أزقة تطوان عن أثر لملوك غرناطة، فوجد أمامه فلاحًا سابقًا وعامل فرن وتاجرًا صغيرًا، يحمل اسم بن الأحمر، ولا يبدو أن فكرة استعادة مجد أجداده ـ إن صح النسب ـ كانت تشغله بقدر ما كانت تشغل من جاءوا للبحث عنه.

ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: لو وقف أحمد بن العربي بن الأحمر سنة 1931 في ساحة الأسود داخل قصر الحمراء، ونظر إلى النقوش التي تكرر شعار بني نصر «ولا غالب إلا الله»، هل كان سيشعر أنه عاد إلى تاريخ أسرته، أم أنه يقف ببساطة أمام تاريخ أصبح ملكًا للإنسانية كلها؟

عبد الواحد الحسناوي
مراسل

عبد الواحد الحسناوي

يساهم في تغطية الأخبار وإنتاج المحتوى التحريري لشوف أشطاري.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *