أقلام حرة شوف أشطاري ميديا

درعة تافيلالت خارج دائرة الفائزين الرسميين: انتخابات المحاسبين المعتمدين تفتح النقاش حول التمثيلية المهنية وفك البلوكاج الجهوي

درعة تافيلالت خارج دائرة الفائزين الرسميين: انتخابات المحاسبين المعتمدين تفتح النقاش حول التمثيلية المهنية وفك البلوكاج الجهوي

بقلم الأستاذ سليماني مولاي عبد الله

لم تعد نتائج الانتخابات المهنية مجرد أرقام تُقرأ في جداول الفائزين، بل أصبحت مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول التمثيلية المؤسساتية، والتوازن بين الجهات، ومدى قدرة التنظيمات المهنية على ضمان حضور مختلف مكوناتها في مراكز القرار. وفي هذا السياق، تبرز وضعية جهة درعة تافيلالت عقب الانتخابات المؤقتة لأعضاء المجلس الوطني للمنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين، التي جرت يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، وأعلنت اللجنة المكلفة بتسيير المجلس الوطني نتائجها المؤقتة بموجب البلاغ رقم 11 الصادر بتاريخ 23 أكتوبر 2026.

تكشف القراءة الدقيقة للبلاغ الرسمي عن معطيات تستحق التوقف عندها. فقد بلغ عدد الناخبين المسجلين في اللوائح النهائية 2038 ناخبًا وناخبة، شارك منهم 1504، بنسبة مشاركة وطنية بلغت 73.80 في المائة. وعلى مستوى مكتب الرشيدية، الذي يهم مهنيي جهة درعة تافيلالت، بلغ عدد المسجلين 59، أدلى 39 منهم بأصواتهم، أي بنسبة مشاركة وصلت إلى 66.1 في المائة. وهذه أرقام رسمية تبرز أن المشاركة في الرشيدية كانت فعلية، وأن المهنيين المسجلين بالمدينة ساهموا في هذا الاستحقاق، وإن كانت نسبة مشاركتهم أدنى من المعدل الوطني بنحو 7.7 نقاط مئوية. ولا تسمح هذه المعطيات وحدها باستنتاج مواقف الناخبين أو اتجاه تصويتهم، لكنها تضع مسألة الحضور الجهوي في صلب النقاش حول مستقبل المنظمة المهنية.

وتزداد أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بلائحة الأعضاء الرسميين الثلاثة عشر المعلن عن انتخابهم مؤقتًا. فقد ضمت القائمة مرشحين اثنين من فاس، واثنين من مراكش، واثنين من أكادير وطنجة لكل منهما، وثلاثة مرشحين بمقار مزاولة في الدار البيضاء أو برشيد، ومرشحًا من السمارة وآخر من الناظور. وفي المقابل، لا يظهر مقر مزاولة في الرشيدية ضمن قائمة الأعضاء الرسميين الفائزين. أما لائحة الأعضاء النواب، فتضم محمد بورخيس، الذي يرد مقر مزاولته بالرشيدية، وقد حصل على 25 صوتًا. وبذلك فإن القراءة الدقيقة لا تقود إلى القول إن جهة درعة تافيلالت غائبة كليًا عن النتائج، بل إلى تسجيل غيابها عن قائمة الأعضاء الرسميين، مقابل حضور الرشيدية في قائمة الأعضاء النواب.

غير أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الاستحقاق تتعلق بما أثير مهنيًا بشأن أصوات ناخبي جهة درعة تافيلالت، وما قيل عن تصويت بعضهم لفائدة مرشحين توجد مقار مزاولتهم بأكادير والدار البيضاء. وإذا كانت هذه الملاحظة تعكس نقاشًا حقيقيًا داخل الجسم المهني، فإن معالجتها تقتضي التمييز بين مكان ممارسة الناخب لمهنته، ومكان ممارسة المرشح لمهنته، والنتيجة التي انتهى إليها الاقتراع الوطني. فالبلاغ الرسمي يحدد مكاتب التصويت وأعداد المشاركين، لكنه لا يقدم تفصيلًا للأصوات حسب جهة انتماء الناخبين والمرشحين في آن واحد، ولا يتيح تحديد الوجهة الجغرافية لكل صوت. ولذلك، فإن إثبات انتقال أصوات ناخبي الرشيدية إلى مرشحين من أكادير أو الدار البيضاء يتطلب محاضر تفصيلية أو معطيات انتخابية موثقة، ولا يمكن اعتباره حقيقة محسومة بمجرد مقارنة مقار المزاولة بأسماء الفائزين.

وتكتسي هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى الإطار القانوني للانتخابات. فالمادة 34 من القانون رقم 127.12 المتعلق بتنظيم مهنة محاسب معتمد وإحداث المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 53.19، تنص على انتخاب الأعضاء الرسميين والنواب بالاقتراع الفردي السري، وإعلان انتخاب المرشحين الحاصلين على أكبر عدد من الأصوات. ويعني ذلك أن قراءة النتائج ينبغي أن تنطلق من طبيعة الاقتراع كما يحددها القانون، لا من افتراض أن المقاعد موزعة تلقائيًا وفق حصص جهوية. ومن ثم، فإن غياب عضو رسمي من الرشيدية يطرح سؤال التمثيلية العملية للجهة، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، دليلًا على مخالفة انتخابية أو على حرمان قانوني من مقعد مخصص لها.

ومع ذلك، فإن احترام قواعد الاقتراع لا يلغي الحاجة إلى مناقشة الأثر المؤسساتي للنتائج على الجهات التي تواجه صعوبات في التنظيم والتواصل. فجهة درعة تافيلالت ليست مجرد نقطة جغرافية بعيدة عن المراكز الاقتصادية الكبرى، بل مجال مهني له خصوصياته وتحدياته، ويحتاج إلى مجلس جهوي قادر على تنظيم المبادرات المهنية، وتيسير التواصل بين المحاسبين المعتمدين، وتقديم التقارير اللازمة عن أنشطته وتدبيره، والدفاع عن مصالح المهنيين في إطار اختصاصاته. وعندما يعبّر عدد من المهنيين عن استمرار حالة من الجمود وضعف التواصل، فإن معالجة هذا الوضع تصبح مسألة مؤسساتية تستحق التقييم والبحث عن حلول عملية، بعيدًا عن تبادل الاتهامات أو اختزال المشكلة في نتائج انتخابات وطنية.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجهة لا ينحصر في عدم ظهور اسم من الرشيدية ضمن الأعضاء الرسميين الفائزين، وإنما يمتد إلى ضرورة استعادة دينامية المجلس الجهوي، وتقوية قنوات التواصل بين أعضائه والمهنيين، وضمان انتظام الاجتماعات والأنشطة، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالتقارير الأدبية والمالية وفق القواعد القانونية والتنظيمية الواجبة التطبيق. كما أن المحاولات السابقة للتقريب بين وجهات النظر، متى أمكن توثيقها، ينبغي أن تشكل أساسًا لانتقال النقاش من مرحلة المبادرات الفردية إلى معالجة مؤسساتية واضحة، تتحدد فيها المسؤوليات والآجال والنتائج المنتظرة.

ومن هنا، فإن المجلس الوطني الجديد، بعد تنصيبه واستكمال الإجراءات القانونية، مدعو إلى النظر في مختلف الإشكالات التي تؤثر في انتظام عمل المنظمة ومجالسها الجهوية، في حدود اختصاصاته القانونية. ولا يعني ذلك افتراض وجود سلطة مطلقة للمجلس الوطني على جميع تفاصيل التدبير الجهوي، بل يستوجب تحديد الاختصاصات والإجراءات وفق القانون والنظام الداخلي، ثم اعتماد الحوار والتنسيق والآليات المتاحة لمعالجة التعثر. وفي حالة درعة تافيلالت تحديدًا، يمكن أن يشكل اجتماع مهني موسع، تشارك فيه الأطراف المعنية، خطوة عملية لتشخيص أسباب الجمود، وتحديد الأولويات، ووضع برنامج زمني قابل للتقييم، مع احترام الاختصاصات والضمانات القانونية لكل طرف.

كما أن نشر المعلومات الدقيقة حول سير المجالس الجهوية، واجتماعاتها، وأنشطتها، وتقاريرها، من شأنه أن يعزز الثقة داخل المهنة ويحد من انتشار التأويلات غير المؤكدة. فالحكامة المهنية لا تقوم فقط على انتخاب الأجهزة، بل تحتاج أيضًا إلى ممارسة منتظمة للمسؤوليات، وإلى تواصل شفاف، وإلى إمكانية تقييم الأداء على أساس معطيات قابلة للتحقق. ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بتوضيح وضعية المجلس الجهوي لدرعة تافيلالت ليست موقفًا ضد أشخاص بعينهم، وإنما هي دعوة إلى جعل المؤسسة قادرة على أداء وظائفها المهنية والتنظيمية.

وتظل النتائج الواردة في البلاغ رقم 11 نتائج مؤقتة وفق ما نصت عليه الصفحة الثالثة من الوثيقة، التي حددت يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، على الساعة الثانية عشرة زوالًا، آخر أجل لتقديم الملاحظات والتظلمات كتابة إلى اللجنة المكلفة. ولذلك، فإن أي تقييم نهائي للنتائج أو لأي اعتراض مرتبط بها ينبغي أن يراعي ما قد يصدر عن اللجنة من قرارات لاحقة، وأن يستند إلى الوثائق الرسمية بدل الاكتفاء بالانطباعات المتداولة.

إن ما تحتاجه جهة درعة تافيلالت اليوم ليس تحويل نتائج الانتخابات إلى سبب جديد للخلاف، بل الاستفادة منها لإعادة التفكير في سبل تقوية حضورها المهني والمؤسساتي. فالتصويت حق فردي، والنتائج تُحسم وفق القواعد القانونية، لكن نجاح المنظمة لا يقاس بعدد المقاعد وحده؛ بل أيضًا بقدرتها على الاستماع إلى مختلف الجهات، وتدبير الخلافات، وضمان استمرار المؤسسات في أداء مهامها. ومن حق مهنيي درعة تافيلالت أن يطالبوا بمجلس جهوي نشيط ومنفتح، وبقنوات تواصل فعالة، وبمعالجة جدية لأي اختلالات مثبتة، مثلما أن من واجب الجميع الاحتكام إلى الوثيقة والحجة والقانون.

وفي نهاية المطاف، فإن غياب مقر مزاولة في الرشيدية عن لائحة الأعضاء الرسميين ينبغي أن يكون مدخلًا إلى نقاش مسؤول حول التمثيلية والتواصل والحكامة، لا حكمًا مسبقًا على نزاهة الانتخابات أو على نوايا الناخبين. أما ما أثير بشأن أصوات الجهة التي قيل إنها اتجهت إلى مرشحين بأكادير والدار البيضاء، فيظل موضوعًا يستحق التحقق من خلال المعطيات التفصيلية المتاحة قانونًا. وبين الحق في التعبير عن الانشغال المهني وواجب الدقة في عرض الوقائع، تتحدد مسؤولية الكتابة المهنية الرصينة: أن تطرح الأسئلة بوضوح، وأن تستند إلى الأرقام، وأن تميز بين ما ثبت وما يحتاج إلى إثبات، وأن تجعل مصلحة المهنة واستقرار مؤسساتها فوق كل اعتبار.

عبد الواحد الحسناوي
مراسل

عبد الواحد الحسناوي

يساهم في تغطية الأخبار وإنتاج المحتوى التحريري لشوف أشطاري.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *