بقلم: د. مولاي عبد الله السليماني
«إن كنت قادراً على قيادة قطيع من الحمير، فأنت قائد كبير لقطيع من الحمير! أما إن كنت قادراً على ترويض الأسود والفهود، فأنت قائد استثنائي فعلاً».
بهذه العبارة المثيرة للتأمل، يُختزل أحد أعمق الإشكالات التي تواجه الإدارة الحديثة: هل يُقاس نجاح القائد بقدرته على فرض سلطته على مرؤوسين أقل كفاءة منه، أم بقدرته على بناء فريق يضم كفاءات تتجاوزه خبرةً وقدرةً على الإنجاز؟
هذا السؤال أعاد إلى الواجهة موضوعاً تحدث عنه رجل الأعمال المغربي ووزير التجارة والصناعة السابق مولاي حفيظ العلمي، من خلال مفهوم أطلق عليه «وسادة انعدام الكفاءة»، في إشارة إلى ظاهرة إدارية خطيرة تقوم على حماية المناصب عبر إضعاف الكفاءات، بدلاً من الاستثمار فيها وتطويرها.
وتعود أهمية هذه الملاحظة إلى ما تكشفه من مفارقة داخل بعض المؤسسات: فقد تعلن المقاولة رغبتها في استقطاب أفضل المواهب، بينما يمارس بعض مسؤوليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سلوكيات تؤدي إلى إقصاء هذه المواهب أو الحد من قدرتها على التأثير.
كيف تتشكل وسادة انعدام الكفاءة؟
تبدأ الظاهرة أحياناً عندما يلاحظ المدير العام أن موظفاً شاباً يحقق نتائج استثنائية، رغم محدودية أجره مقارنة بأطر إدارية عليا تتقاضى رواتب مرتفعة. وبدلاً من تحويل هذا الاكتشاف إلى فرصة لتطوير الأداء المؤسسي، قد يستعمل المدير نجاح الموظف للمقارنة مع رؤساء الأقسام ومسؤولي المصالح، فيضعهم أمام سؤال محرج بشأن القيمة المضافة التي يقدمونها للمقاولة.
غير أن طريقة تدبير هذه المقارنة هي التي تحدد نتائجها. فإذا اعتمدت على معايير موضوعية، وحوار مهني، وتقييم عادل للأداء، فإنها قد تشكل مدخلاً للإصلاح. أما إذا تحولت إلى وسيلة للتهديد والمفاضلة الشخصية، فإنها قد تزرع الخوف وانعدام الثقة داخل المؤسسة.
عندئذ، قد يشعر بعض المسؤولين بأن بروز الكفاءات الشابة يهدد مواقعهم ومصالحهم المهنية. وبدلاً من احتضان أصحاب المواهب وتأطيرهم وتمكينهم من تحمل المسؤولية، يبدأون في الحد من حضورهم، أو إبعادهم عن الملفات الاستراتيجية، أو استبدالهم بموظفين أقل قدرة على المنافسة.
وهنا تتشكل «وسادة انعدام الكفاءة»: يحيط المسؤول نفسه بأشخاص لا يشكلون تهديداً لموقعه، ويضمن بذلك استمرار الحاجة إليه، حتى لو كان الثمن تراجع أداء الفريق والمؤسسة بأكملها.
من حماية المنصب إلى قلب الهرم الإداري
تكمن خطورة هذه الممارسة في أنها لا تبقى سلوكاً فردياً معزولاً، بل قد تتحول إلى ثقافة تنظيمية تنتقل من مستوى إداري إلى آخر.
فإذا اعتاد رئيس قسم على اختيار موظفين أقل كفاءة منه حفاظاً على مكانته، فقد يقلده رؤساء المصالح التابعة له. ومع مرور الوقت، تصبح الكفاءة الاستثنائية استثناءً غير مرغوب فيه، ويغدو التفوق المهني مصدر قلق بدلاً من أن يكون قيمة مضافة.
وتظهر النتيجة في صورة هرم إداري مقلوب: تتكدس المناصب والمسؤوليات في الأعلى، بينما تضعف القدرات التنفيذية في المستويات التي يفترض أن تنتج القيمة وتحقق النتائج.
والأخطر أن المسؤول الذي يساهم في إضعاف فريقه قد يظهر، أمام الإدارة العليا، باعتباره عنصراً لا غنى عنه؛ فهو الوحيد القادر على معالجة المشكلات التي كان من المفترض أن يساهم فريقه في حلها. وهكذا تتحول أوجه القصور التي تسبب فيها إلى مبررات لاستمرار سلطته.
إنها دائرة مغلقة تتغذى من ضعف الأداء، وتُكافئ أحياناً من يتسبب فيه، وتُعاقب بصورة غير مباشرة من يستطيع تغييره.
المفارقة الإدارية: لماذا يخشى بعض القادة الكفاءات؟
لفهم هذه الظاهرة، ينبغي التمييز بين السلطة والقيادة. فالسلطة تمنح صاحبها حق اتخاذ القرارات وتوزيع المسؤوليات، أما القيادة فتتجلى في القدرة على تعبئة الموارد البشرية، وتطوير المواهب، وتحقيق نتائج جماعية مستدامة.
القائد الواثق من قدراته لا يرى في الموظف المتفوق تهديداً، بل يعتبره فرصة لتوسيع قدرات المؤسسة. أما القائد الذي يربط قيمته المهنية بكونه الأكثر معرفةً أو قدرةً داخل فريقه، فقد ينظر إلى نجاح مرؤوسيه باعتباره انتقاصاً من مكانته.
ويكشف هذا السلوك عن خلل في نظام الحوافز والتقييم. فعندما تكافئ المؤسسة المسؤول على احتفاظه بالسيطرة، بدلاً من مكافأته على تطوير فريقه، فإنها تمنحه حافزاً ضمنياً لإبقاء الكفاءات في حدود معينة.
ولا يمكن، مع ذلك، تفسير كل تفاوت في الأداء بهذه الآلية؛ فقد تكون الفوارق مرتبطة بالتجربة أو بطبيعة المسؤوليات أو بضعف التكوين أو بنقص الموارد. لذلك، يتطلب التشخيص السليم الاعتماد على مؤشرات واضحة، لا على الانطباعات الشخصية وحدها.
الحل: ربط نجاح القائد بنجاح فريقه
من بين الآليات التي طرحها مولاي حفيظ العلمي، وفق ما ورد في المداخلة المشار إليها، ربط تقييم الأداء السنوي للمسؤولين بمستوى أداء الفرق التي يشرفون عليها، بحيث تنعكس النتائج الجماعية على التقييم المهني والعلاوات.
وتستند هذه المقاربة إلى مبدأ إداري أساسي: لا يكفي أن يحقق المسؤول نتائج فردية جيدة، بل يجب أن يكون قادراً على بناء فريق منتج، وتطوير أعضائه، وإعداد خلفاء قادرين على تحمل المسؤولية.
لكن نجاح هذه الآلية يظل مشروطاً بعدالة تطبيقها. فلا ينبغي تحميل المسؤول كامل تبعات نتائج تقع خارج نطاق سيطرته، أو تقييمه بناءً على أرقام مجردة تتجاهل طبيعة المهام والموارد المتاحة والظروف المحيطة بالعمل.
والأجدى هو اعتماد منظومة متوازنة تجمع بين الأداء الفردي، والنتائج الجماعية، وتطوير الكفاءات، والقدرة على الابتكار، وجودة التدبير، والالتزام بأخلاقيات المهنة.
ويمكن للمقاولات، في هذا الإطار، اعتماد مجموعة من الإجراءات العملية، أبرزها وضع معايير شفافة للترقية والتقييم، وإرساء آليات لحماية الإبلاغ عن السلوكيات الإدارية غير المهنية، وتوفير فرص متكافئة للتكوين والتطور، وإشراك الموظفين في تحسين طرق العمل، ومراجعة أسباب مغادرة الكفاءات للمؤسسة.
كما ينبغي أن يصبح تطوير الموظفين مؤشراً أساسياً لنجاح المسؤول المباشر، وأن يُنظر إلى إعداد كفاءات قادرة على تولي مناصب أعلى باعتباره إنجازاً إدارياً، لا تهديداً للموقع الوظيفي.
المقاولة التي تخاف الاختلاف تفقد قدرتها على التطور
إن إحاطة المدير نفسه بأشخاص يوافقونه في كل شيء قد تمنحه شعوراً مؤقتاً بالراحة، لكنها تحرمه من إحدى أهم وظائف القيادة: اكتشاف الأخطاء قبل تحولها إلى أزمات.
فالمؤسسة تحتاج إلى أشخاص قادرين على الاعتراض المهني، ومناقشة القرارات، واقتراح البدائل، والتنبيه إلى المخاطر. وليس المقصود تمجيد الاختلاف لذاته، وإنما بناء بيئة تسمح بالنقاش المسؤول، وتُخضع الأفكار والقرارات للاختبار، دون أن يتحول الخلاف إلى صراع شخصي.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوة مولاي حفيظ العلمي إلى الإحاطة بالكفاءات التي تستطيع التعبير عن عدم اتفاقها مع بعض القرارات دلالة مهمة: فالقائد لا يحتاج إلى فريق يردد آراءه، بل إلى فريق يساعده على اتخاذ قرارات أفضل.
وهذا المبدأ يتقاطع مع عدد من النظريات الإدارية المعاصرة، التي تؤكد أهمية التمكين، والتعلم التنظيمي، والتنوع المعرفي، وتطوير رأس المال البشري باعتبارها عناصر أساسية لتحسين الأداء والابتكار.
الذكاء الاصطناعي يزيد أهمية الكفاءات البشرية
في ظل التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، لم يعد من الممكن اختزال التنافسية في خفض الأجور أو تقليص عدد العاملين. فالمؤسسات تحتاج إلى موظفين قادرين على استخدام التكنولوجيا، وتحليل المعطيات، وتفسير النتائج، وتقييم المخاطر، واتخاذ القرارات في المواقف المعقدة.
وقد تؤدي الإدارة التي تحارب الكفاءات إلى إضعاف قدرتها على استيعاب هذه التحولات، لأنها تقصي الأشخاص الأكثر استعداداً للتعلم والتجريب والتغيير.
ولا يعني ذلك أن كل موظف متفوق تقنياً هو بالضرورة قائد ناجح، أو أن الخبرة الطويلة أصبحت بلا قيمة. إنما يعني أن القيادة الفعالة هي التي تجمع بين الخبرة والحيوية، وبين الحكمة والابتكار، وبين القدرة على اتخاذ القرار والاستعداد لمراجعته عندما تظهر معطيات جديدة.
وفي المقاولة الحديثة، تصبح القدرة على اكتشاف المواهب والاحتفاظ بها وتطويرها عاملاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن التمويل والتجهيز والتسويق.
منطق الأسود والفهود: أي قيادة نريد؟
إن المغزى من المقارنة بين قيادة الحمير وترويض الأسود والفهود ليس تصنيف العاملين وفق قيمتهم الإنسانية، بل التنبيه إلى الفرق بين إدارة تقوم على سهولة السيطرة، وقيادة تتطلب القدرة على التعامل مع أشخاص مستقلين في تفكيرهم، أقوياء في كفاءاتهم، وقادرين على تقديم قيمة مضافة حقيقية.
فالقائد الاستثنائي ليس من يحيط نفسه بأشخاص يحتاجون إليه في كل صغيرة وكبيرة، بل من يبني فريقاً يستطيع العمل بكفاءة، ويعالج المشكلات، ويتخذ المبادرات، ويواصل تحقيق النتائج حتى في غيابه.
ومن هذا المنطلق، فإن النجاح الإداري لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطة المسؤول، بل بمدى تطور قدراتهم، وجودة النتائج التي يحققونها، وقدرة المؤسسة على الاستمرار والتجدد.
وقد جاءت هذه الأفكار، بحسب المعطيات الواردة في النص المتداول، ضمن مداخلة بعنوان «دليل مضاد لرواد الأعمال»، قدمها مولاي حفيظ العلمي خلال لقاء «رواد أعمال مبادرون»، الذي نظمه الاتحاد العام لمقاولات المغرب بالدار البيضاء يوم 17 أكتوبر 2026، وتناولت مجموعة من النصائح المرتبطة بالتخطيط، والنزاهة، واحترام القانون، والانطلاق التدريجي، والقرب من الميدان، والاستعداد للتحولات التكنولوجية.
إن «وسادة انعدام الكفاءة» ليست مجرد مشكلة في تدبير الموارد البشرية، بل قد تتحول إلى عائق أمام الحوكمة الجيدة والتنافسية والاستدامة. فحين يصبح الحفاظ على المنصب أهم من تحقيق النتائج، تخسر المؤسسة قدرتها على التعلم، وحين تصبح الكفاءة مصدر خوف، يتحول النجاح الفردي إلى خسارة جماعية.
إن القائد الحقيقي لا يخشى أن يكون فريقه أكثر كفاءة منه في بعض المجالات؛ بل يعتبر ذلك دليلاً على نجاحه. فالمؤسسة القوية لا تُبنى بتكثير التابعين، وإنما بصناعة القادة، ولا تحمي مستقبلها بإضعاف المواهب، بل بمنحها المساحة التي تستحقها للإبداع والإنجاز.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.