مال وأعمال شوف أشطاري ميديا

اقتصاد الريع والاقتصاد

اقتصاد الريع والاقتصاد

بقلم الاستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في ظل التحولات الهيكلية التي يعرفها الاقتصاد الوطني، وتزايد الضغط الاجتماعي من أجل العدالة وتكافؤ الفرص، يبرز الحديث عن اقتصاد الريع بوصفه ليس فقط إشكالية مالية أو إدارية، بل قضية سياسية ومجتمعية تمس جوهر المشروع التنموي المغربي. فالقطع مع الامتيازات غير المنتجة أصبح شرطًا ضروريًا لتجديد العلاقة بين المواطن والدولة، ولإعادة الثقة في المؤسسات، وإرساء اقتصاد تنافسي يستند إلى المردودية لا إلى الامتياز. ومن هنا تندرج أهمية إثارة هذا الموضوع ضمن سلسلة قضايا مغربية استراتيجية، التي تهدف إلى تسليط الضوء على الإشكالات البنيوية التي تقف عائقًا أمام النهوض الاقتصادي الشامل.

ويُقصد باقتصاد الريع، في أدبيات الاقتصاد السياسي، كل عائد اقتصادي لا يقابله مجهود إنتاجي أو مخاطرة مالية، ويتولد غالبًا عن الامتيازات الإدارية أو الاحتكارات أو القرارات العمومية التي تمنح الأفضلية لفئة دون أخرى خارج قواعد السوق والمنافسة. إنه اقتصاد يعتمد على السلطة لا على القيمة، وعلى القرب لا على الكفاءة، ويولد بالضرورة فوارق اجتماعية ويُفرغ العمل من مضمونه، والمبادرة من جدواها. وعلى الرغم من أن بعض أشكال الريع كانت تُبرّر تاريخيًا بوصفها أدوات للتهدئة الاجتماعية أو التحفيز، فإن استمرارها في سياق التحول الاقتصادي الراهن يُعد أحد أبرز مظاهر التعثر البنيوي في إصلاح مناخ الأعمال، ومحاربة الفساد، وتكافؤ الفرص.

لقد شكّل تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي (2021) نقلة نوعية في الاعتراف المؤسساتي بوجود أنماط ريعية تعرقل النجاعة والإنصاف، حيث دعا صراحة إلى تفكيك الامتيازات غير المبررة، وتحويل الدولة من فاعل موزّع للريع إلى رافعة للإنتاج والتنافسية. هذا التوجه يعكس إرادة سياسية قوية تجسّدت في مجموعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي باشرتها الدولة المغربية خلال العشرية الأخيرة. فقد تم إصلاح منظومة الدعم، وتحرير قطاعات حساسة مثل المحروقات، والمقالع، والصيد البحري، وقطاع النقل، إلى جانب تعزيز دور هيئات الحكامة وعلى رأسها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، والمجلس الأعلى للحسابات، ومجلس المنافسة، وهي كلها مؤسسات تضطلع بمهام استراتيجية لضمان النزاهة، والمساءلة، وتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.

ولعل أهم ما يُحسب للدولة المغربية في هذا الورش الإصلاحي، هو أنها لم تتوقف عند مستوى الخطاب أو التشخيص، بل انتقلت تدريجيًا إلى الفعل عبر تبنّي سياسات عمومية قائمة على الشفافية والمنافسة، سواء في مجال الصفقات العمومية، أو في منح التراخيص والامتيازات، أو في ضبط آليات الاستفادة من العقار العمومي. فالمقتضيات القانونية، وعلى رأسها الفصل 36 من الدستور، والقانون الإطار لإصلاح الجباية، ومدونة الصفقات، كلها تنص بوضوح على ضرورة محاربة كل أشكال الريع، والامتياز، واستغلال النفوذ، مما يعكس التوجه الحازم نحو تأسيس منظومة قانونية مندمجة تجرّم الريع وتعزز ثقافة الاستحقاق.

اقتصاديًا، فإن النظريات الكينزية والهيكلية تُجمع على أن استدامة اقتصاد الريع تؤدي إلى انكماش روح المبادرة، وهروب الكفاءات، وانعدام الحافز على المخاطرة، وهي عناصر أساسية لأي اقتصاد يسعى إلى الاندماج في العولمة والاستثمار والإبداع. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار بعض البنيات الريعية، سواء في توزيع العقود أو الامتيازات أو المناصب، يساهم في إضعاف مردودية النفقات العمومية، ويشوّش على فعالية السياسات القطاعية. كما أن الدولة تجد نفسها، من حيث لا تدري، في موقع تمويل غير مباشر لامتيازات غير منتجة، بدل توجيه المال العمومي نحو الابتكار، والتكوين، والبنية التحتية، والحماية الاجتماعية.
في المقابل، فإن تفكيك اقتصاد الريع لا يتم فقط عبر الزجر، بل أيضًا عبر إعادة هندسة الحوافز، وتوجيه الدعم العمومي نحو المشاريع القابلة للقياس والتقييم، وربط أي امتياز بإطار تعاقدي شفاف يخضع للمساءلة. وهذا ما تسعى الدولة المغربية إلى تكريسه من خلال برامج التمويل الموجه، كـ“انطلاقة” و”فرصة”، وصناديق الاستثمار الجهوي، والمقاولة المبتكرة، والولوج المنصف إلى التمويل البنكي، وهي أدوات جديدة تروم نقل منطق الدعم من الريع إلى التأهيل، ومن الامتياز إلى الكفاءة.
وفي البعد الاجتماعي، فإن مناهضة الريع لا تعني فقط تطهير الحقل الاقتصادي، بل إعادة الاعتبار للمواطن، للجهد، للعدالة الاجتماعية. فاستمرار الامتيازات غير المنتجة يعمّق من هشاشة الفئات النشيطة، ويُشعر المواطن العادي بالظلم، ويغذّي مشاعر الريبة من المؤسسات، ويقوّض كل خطاب حول الإنصاف أو التنمية البشرية. ومن هنا، فإن القضاء على اقتصاد الريع هو مشروع مجتمعي بامتياز، يتجاوز الحسابات الاقتصادية، ليكرّس قيم العمل، والجدارة، والمسؤولية.
إن المغرب، بما يمتلكه من إرادة ملكية واضحة، ومؤسسات رقابية فعالة، ونخب إدارية مؤهلة، قادر اليوم على إنجاز هذا الانتقال التاريخي من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج. إن الرهان ليس فقط في إصدار القوانين، بل في جعل الشفافية نمطًا للحكم، والاستحقاق قاعدة للتوزيع، والكفاءة معيارًا وحيدًا للاستفادة. بهذا فقط يمكننا تأسيس اقتصاد وطني قادر على احتضان الطاقات، تشجيع المبادرة، وتوفير بيئة تنافسية جاذبة للاستثمار الوطني والأجنبي على حد سواء.

عثمان منجي الدين
المشرف العام

عثمان منجي الدين

عثمان منجي الدين صحفي مغربي ومدير عام جريدة شوف أشطاري الإلكترونية، يهتم بتغطية الأخبار المحلية وقضايا المجتمع بمدينة الدار البيضاء ونواحيها.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *