بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
رئيس المركز الدولي للدراسات والبحث العلمي المتعدد التخصصات – المغرب
لم يعد ملف التشغيل في المغرب مجرد قضية اجتماعية مرتبطة بالبطالة والباحثين عن العمل، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل النمو والاستثمار والتحولات القطاعية إلى فرص مهنية منتجة ومستدامة. فكلما اتسعت الفجوة بين تطور الاقتصاد وبين قدرة سوق الشغل على استيعاب الداخلين الجدد إليه، أصبح من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي تُبنى بها السياسات العمومية الخاصة بالتشغيل والاستثمار والتكوين والمقاولة.
وتكشف المعطيات الرسمية أن حجم التحدي لا يسمح بالاعتماد على المقاربات التقليدية وحدها. فقد أظهرت نتائج المندوبية السامية للتخطيط برسم سنة 2025 أن الاقتصاد المغربي أحدث 193 ألف منصب شغل مقارنة بسنة 2024، منها 203 آلاف منصب في الوسط الحضري، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي. وساهم قطاع الخدمات بـ123 ألف منصب، والبناء والأشغال العمومية بـ64 ألفاً، والصناعة بـ46 ألفاً، بينما فقد قطاع الفلاحة والغابة والصيد 41 ألف منصب. وفي السنة نفسها بلغ عدد العاطلين نحو 1.621 مليون شخص، واستقر معدل البطالة عند 13%.
لكن قراءة هذه الأرقام تتطلب قدراً من العمق؛ فخلق 193 ألف منصب لا يعني أن معضلة التشغيل قد حُسمت، كما أن انخفاض معدل البطالة من 13.3% سنة 2024 إلى 13% سنة 2025 لا يلغي استمرار اختلالات بنيوية داخل سوق العمل. فقد ارتفع معدل البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة من 36.7% إلى 37.2%، وبلغ لدى النساء 20.5%، مقابل 19.1% لدى حاملي الشهادات. كما ارتفع عدد الأشخاص في وضعية الشغل الناقص من 1.082 مليون إلى 1.190 مليون شخص، أي أن التحدي لا يتعلق فقط بمن لا يجدون عملاً، وإنما أيضاً بمن يشتغلون في ظروف أو ساعات أو مستويات لا تستثمر كامل قدراتهم.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اعتماد المندوبية السامية للتخطيط، ابتداء من سنة 2026، للجيل الجديد من البحث حول اليد العاملة EMO2026، الذي حل محل البحث الوطني حول التشغيل، وفق مفاهيم ومنهجية محدثة تتماشى مع المعايير الدولية الحديثة. وفي الفصل الثاني من 2026 بلغ حجم اليد العاملة 11.764 مليون شخص، فيما لم تتجاوز مشاركة النساء فيها 21.5%، وبلغ معدل المشاركة في سوق العمل 42.2% وطنياً، مقابل 66.5% لدى الرجال و18.1% لدى النساء. كما لم يتجاوز معدل المشاركة لدى الشباب بين 15 و24 سنة 22.9%.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تحتل موقعاً مركزياً في النقاش العمومي: المغرب لا يحتاج فقط إلى خفض البطالة، وإنما إلى توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي المنتج. فرفع عدد الأشخاص المشاركين فعلياً في سوق العمل، خصوصاً النساء والشباب، يمثل جزءاً أساسياً من معادلة النمو والتشغيل. ولذلك فإن السياسة المستقبلية لا ينبغي أن تقيس نجاحها بعدد المستفيدين من البرامج فقط، وإنما بقدرتها على الانتقال بالمستفيد من وضعية البحث عن فرصة إلى وضعية الاندماج المستقر في اقتصاد منتج.
وتؤكد التحليلات الدولية الحديثة أن جوهر الإشكال يرتبط كذلك بقدرة القطاع الخاص على النمو. ففي تقرير صدر عن البنك الدولي في أبريل 2026، أشير إلى أن عدد السكان في سن العمل بالمغرب نما بين 2000 و2024 بنحو 2.5 مرة أسرع من نمو التشغيل، مع استمرار صعوبات تواجهها المقاولات في التوسع ورفع الإنتاجية. وقد خلص التقرير إلى أن مجموعة من الإصلاحات الهيكلية يمكن، وفق السيناريو التحليلي للبنك الدولي، أن تتيح للمغرب 1.7 مليون فرصة شغل إضافية بحلول 2035 و2.5 مليون بحلول 2050. وهذه أرقام تقديرية مرتبطة بتنفيذ إصلاحات محددة، وليست توقعات حتمية.
ومن هنا فإن مستقبل التشغيل يرتبط ارتباطاً مباشراً بمستقبل المقاولة المغربية. فالمقاولة الصغيرة أو المتوسطة التي تعاني من ضعف التمويل، أو محدودية الولوج إلى الأسواق، أو تعقيد المساطر، أو نقص المهارات، لا تستطيع الانتقال بسهولة من مرحلة البقاء إلى مرحلة النمو. وعندما لا تنمو المقاولة، تتقلص قدرتها على الاستثمار والتوظيف والتوسع. لذلك فإن دعم التشغيل يجب أن يمر أيضاً عبر سياسة واضحة لتقوية المؤسسات الاقتصادية القادرة على خلق الوظائف.
وفي هذا السياق، وافق البنك الدولي في أبريل 2026 على تمويل بقيمة 500 مليون دولار ضمن برنامج لدعم التشغيل والنمو الأخضر في المغرب، مع تركيز على سياسات سوق العمل، ودينامية المقاولات، وخاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار في قطاعات مثل الطاقة النظيفة والنجاعة الطاقية والصناعة الدوائية الموجهة للتصدير. كما يستهدف البرنامج توسيع نطاق برامج سوق العمل النشطة لتصل إلى أكثر من 330 ألف باحث عن عمل بحلول 2029، إلى جانب إجراءات مرتبطة برفع مشاركة النساء في سوق العمل.
غير أن التمويل، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن تحسين إنتاجية المقاولات وقدرتها على خلق القيمة. فالمطلوب هو الانتقال من منطق تمويل المشروع إلى منطق تمويل النمو؛ أي مساعدة المقاولة على تحسين الحكامة والتدبير والتسويق والتحول الرقمي والوصول إلى الأسواق والتصدير وتطوير الموارد البشرية. فالمقاولة التي تتوسع بصورة مستدامة هي التي تستطيع أن تصبح مصدراً مستمراً لفرص الشغل، في حين أن الاقتصار على إحداث مشاريع صغيرة دون متابعة قدرتها على الاستمرار قد يؤدي إلى تضخم عدد المشاريع دون تحقيق الأثر الاقتصادي المنتظر.
وهذا يقود مباشرة إلى مسألة التكوين. فالمشكلة ليست دائماً في غياب الشهادات، وإنما في مدى توافق الكفاءات مع الوظائف التي ينشئها الاقتصاد. وفي الفصل الثاني من 2026 أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط تفاوتاً واضحاً في المشاركة في سوق العمل حسب مستوى الشهادة؛ إذ بلغ معدل المشاركة 69.4% لدى حاملي الشهادات العليا، مقابل 46.3% لدى أصحاب الشهادات المتوسطة و39.2% لدى أصحاب الشهادات الأساسية.
ومن ثم، فإن إصلاح منظومة التكوين ينبغي أن يتجاوز العلاقة التقليدية بين المؤسسة التعليمية والشهادة، ليتجه نحو بناء منظومة للمهارات تستجيب لتحولات الاقتصاد. فالذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والأتمتة، والاقتصاد الأخضر، والخدمات الرقمية، والصناعة المتقدمة، وسلاسل القيمة العالمية، كلها تغير طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة. ولذلك يصبح التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني جزءاً من سياسة التشغيل، وليس نشاطاً مكملاً لها.
ولا يمكن في هذا الإطار إغفال التحول الرقمي. فبرنامج Digital Morocco 2030 يحظى بدعم مالي جديد من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، ويشمل التحول الرقمي للخدمات العمومية، ودعم منظومة الشركات الناشئة، وتطوير الابتكار في الذكاء الاصطناعي، وتسريع الرقمنة داخل المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتنمية الكفاءات الرقمية وخلق فرص عمل في قطاع ترحيل الخدمات.
كما أن التشغيل لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية مركزية فقط. فالفوارق بين الجهات والحواضر والمجالات القروية تجعل من التنمية الترابية عنصراً أساسياً في أي سياسة وطنية للتشغيل. فالاستثمار في جهة تتوفر على مؤهلات سياحية أو فلاحية أو صناعية أو طاقية أو رقمية ينبغي أن يرتبط بسلسلة اقتصادية محلية تسمح بتحويل هذه المؤهلات إلى أنشطة منتجة ومداخيل وفرص عمل. ولذلك فإن نجاح السياسة الوطنية للتشغيل يتطلب أيضاً منح الجهات والجماعات والمؤسسات الاقتصادية المحلية دوراً أكبر في تحديد حاجياتها وفي تصميم برامجها.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المناطق القروية والواحاتية والجنوبية، حيث يمكن للأنشطة الاقتصادية المحلية، والسياحة المستدامة، والصناعات المرتبطة بالمنتجات المجالية، والاقتصاد الاجتماعي، والخدمات الرقمية، أن تساهم في خلق فرص اقتصادية أقرب إلى السكان. وقد أبرز البنك الدولي، في يوليوز 2026، نماذج لمبادرات في مناطق الواحات بالمغرب ساعدت شباباً ونساءً على تطوير أنشطة اقتصادية ومشاريع تخلق فرصاً محلية.
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز مشاركة النساء في الاقتصاد ينبغي ألا يُختزل في برامج منفصلة عن السياسة الاقتصادية العامة. فالمعطيات الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط تظهر أن معدل مشاركة النساء في سوق العمل بلغ 18.1% في الفصل الثاني من 2026، مقابل 66.5% للرجال. وهذا الفارق الكبير يعني أن جزءاً مهماً من الطاقات البشرية للبلاد لا يزال خارج سوق العمل.
ولهذا فإن توفير خدمات رعاية الأطفال، وتطوير ظروف العمل الملائمة، وتحسين النقل، وتوسيع فرص العمل المرن والرقمي حيث تسمح طبيعة المهن بذلك، ومحاربة العوائق التي تحول دون استمرار النساء في المسار المهني، كلها قضايا اقتصادية بقدر ما هي اجتماعية. وقد أدرج برنامج البنك الدولي لسنة 2026 إجراءات في هذا الاتجاه، من بينها دعم توسيع خدمات رعاية الأطفال المرخصة بأكثر من 40 ألف مكان، مع استهداف خلق 1,200 وظيفة مباشرة للنساء في هذا القطاع.
أما بالنسبة إلى الشباب، فإن المعالجة تحتاج إلى الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق بناء المسارات المهنية. فالشاب لا يحتاج فقط إلى إعلان عن وظيفة، وإنما إلى منظومة تبدأ بالتوجيه، ثم اكتساب المهارة، ثم التدريب العملي، ثم الولوج إلى أول فرصة، ثم مواكبة السنوات الأولى من المسار المهني. وتزداد أهمية هذا التصور أمام ظاهرة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التكوين، التي وصفها تقرير للمندوبية السامية للتخطيط في أبريل 2026 بأنها من التحديات الهيكلية لسوق العمل المغربي، مع تسجيل حضور مرتفع لهذه الظاهرة بين الشابات.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تصبح مؤسسات الوساطة والمواكبة المهنية والجمعيات ومراكز الكفاءات جزءاً من منظومة متكاملة، لا مجرد فاعل هامشي. فهذه المؤسسات يمكن أن تلعب دوراً في تحديد المهارات، وتوجيه الشباب، ومواكبة المقاولين الجدد، وربط العرض بالطلب، ومساعدة المقاولات الصغيرة على تنظيم مواردها البشرية وتحسين قدرتها على التوظيف.
كما أن تقييم سياسة التشغيل يحتاج إلى تغيير جوهري في أدوات القياس. فلا يكفي الإعلان عن عدد المستفيدين من برنامج معين؛ بل ينبغي معرفة عدد الوظائف التي أُحدثت فعلياً، ونسبة استمرارها بعد سنة وسنتين، ومستوى الأجور، ونوعية العقود، والتوزيع الجهوي، ونسبة إدماج النساء والشباب، وحجم القيمة الاقتصادية التي ولّدتها المشاريع المستفيدة. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة تشغيلية هو الأثر المستدام وليس حجم النشاط الإداري المصاحب لها.
وفي هذا الاتجاه، يكتسب ما يسمى بـ«منظور الوظائف» أهمية متزايدة، أي أن يصبح خلق فرص العمل نتيجة مشتركة للسياسات الاقتصادية والاستثمارية والضريبية والتكوينية والرقمية والقطاعية، بدلاً من حصر التشغيل داخل وزارة أو مؤسسة واحدة. وقد أكد الإطار الجديد للشراكة بين البنك الدولي والمغرب، المعلن عنه في يوليوز 2026، أن خلق فرص شغل أكثر وأفضل يمثل محوراً أساسياً للمرحلة المقبلة، مع توجه نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على القطاع الخاص وقدرة أكبر على خلق وظائف للشباب والنساء وفي مختلف المجالات الترابية.
وهذا يعني أن الحكومة المقبلة، أياً كان شكلها وتركيبتها، ستكون مطالبة ببناء سياسة تشغيل تقوم على التنسيق بين الاستثمار والتكوين والمقاولة والابتكار والتنمية الترابية. كما أن نجاح هذه السياسة سيتوقف على قدرتها على الانتقال من البرامج المتفرقة إلى منظومة ذات أهداف قابلة للقياس، ومنطق واضح للمسؤولية، ومؤشرات دورية للنشر والتقييم.
إن المغرب لا يواجه فقط سؤال «كم منصب شغل يمكن خلقه؟»، وإنما سؤالاً أعمق: أي اقتصاد نريد أن نبني حتى يصبح خلق فرص العمل نتيجة طبيعية لنموه؟ فإذا كان الاقتصاد قادراً على رفع الإنتاجية، وتوسيع المقاولات، وجذب الاستثمار الخاص، وتطوير الصادرات، وإدماج النساء والشباب، ورفع جودة المهارات، فإن التشغيل سيصبح نتيجة مباشرة لهذه الدينامية.
أما إذا استمرت الفجوة بين نمو السكان في سن العمل وبين قدرة الاقتصاد على خلق وظائف منتجة، فستظل برامج الإدماج ضرورية لكنها لن تكون كافية وحدها. ولذلك فإن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يكمن في بناء اقتصاد مغربي أكثر قدرة على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى وظائف، والوظائف إلى مسارات مهنية مستقرة.
لقد دخل المغرب مرحلة جديدة في قياس سوق الشغل مع اعتماد EMO2026، وأصبح يمتلك أدوات إحصائية أكثر تفصيلاً لقراءة المشاركة والبطالة والشغل الناقص والاستغلال غير الكامل للموارد البشرية. والمطلوب الآن هو أن تتحول هذه البيانات إلى قرارات عمومية أكثر دقة، وأن تصبح الأرقام أساساً لتصحيح السياسات وليس مجرد مادة للتشخيص.
إن التشغيل، في نهاية المطاف، ليس ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد، ولا قضية تخص الشباب وحدهم، ولا مسؤولية وزارة بعينها؛ إنه نتيجة لاختيارات تمتد من المدرسة والجامعة إلى المقاولة والاستثمار والتمويل والرقمنة والتنمية الجهوية. وكل سياسة اقتصادية لا تسأل بوضوح عن أثرها على خلق فرص العمل ستظل ناقصة في تقييم نتائجها الاجتماعية.
ومن هنا، فإن بناء سوق شغل أكثر دينامية وعدالة وإنتاجية يتطلب رؤية طويلة النفس، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات التكوين والجماعات الترابية والمجتمع المدني ومراكز الكفاءات. فالهدف ليس فقط أن يجد المواطن عملاً، بل أن يجد عملاً منتجاً، لائقاً، قابلاً للاستمرار، ويمنحه فرصة حقيقية لبناء مستقبله والمساهمة في نمو الاقتصاد الوطني.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.