بقلم محاسب معتمد
في الوقت الذي تراهن فيه المملكة المغربية على تشجيع الاستثمار وتبسيط المساطر الإدارية ورقمنة الخدمات العمومية، تبرز بإقليم ميدلت، وبجهة درعة تافيلالت عموماً، إشكاليات عملية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى تحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع، خصوصاً فيما يتعلق بالتأسيس الإلكتروني للشركات.
فمن غير المقبول، من منظور تشجيع المبادرة الاقتصادية، أن يظل ملف تأسيس شركة لأكثر من ثلاثة أشهر دون حسم واضح، أو أن يتوصل المرتفق بأجوبة غير كافية، أو بتعليلات لا تتيح له فهم سبب الرفض وكيفية تصحيح وضعيته. فالرقمنة ليست مجرد منصة إلكترونية لإيداع الوثائق، بل هي وسيلة لتقليص الآجال، وتوحيد المساطر، وضمان الشفافية والنجاعة الإدارية.
وتزداد الإشكالية تعقيداً بإقليم ميدلت والمناطق التابعة له، عندما يجد المستثمر نفسه أمام اختلافات في الاختصاصات بين الإدارات والمحاكم والمصالح المعنية. ويبرز مثال إملشيل، التي ترتبط إدارياً في بعض المساطر بالمصالح الضريبية بإقليم ميدلت، بينما قد ترتبط الاختصاصات القضائية المتعلقة بملف معين بالمحكمة المختصة بالرشيدية، بحسب قواعد الاختصاص المعمول بها. وهذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يتحمل المستثمر تبعات التنسيق بين الإدارات، رغم أن هذه الإشكالات لا علاقة له بها ولا تدخل ضمن مسؤوليته؟
إن الخلافات التنظيمية أو الإدارية بين المصالح، أو الاختلاف في تفسير الاختصاصات، ينبغي ألا تتحول إلى عائق أمام المرتفق، ولا إلى سبب لتعطيل مشروع استثماري أو رفض ملف دون تعليل واضح ومؤسس. فالمستثمر ليس مطالباً بحل إشكالات التنسيق الداخلي بين المؤسسات، وإنما من حقه الحصول على توجيه دقيق، وقرار معلل، ومسار إداري واضح يحدد الجهة المختصة والوثائق المطلوبة والآجال المتوقعة.
إن تشجيع الاستثمار يبدأ من الإدارة المحلية. ولا يمكن الحديث عن جاذبية اقتصادية حقيقية في إقليم ميدلت إذا ظل تأسيس الشركات محفوفاً بالتأخير والغموض وتعدد التأويلات. لذلك، أصبح من الضروري إحداث آلية للتنسيق بين مصالح الضرائب والمحاكم والمراكز الجهوية للاستثمار والجهات المكلفة بالتأسيس الإلكتروني، مع اعتماد مسطرة واضحة لتدبير الملفات التي تتداخل فيها الاختصاصات الترابية.
كما يتعين تمكين المرتفق من تتبع ملفه إلكترونياً، وتقديم أجوبة مكتوبة ومعللة، وتحديد أجل معقول لمعالجة الطلبات، مع توفير مسار للتظلم وتصحيح الأخطاء دون إعادة المرتفق إلى نقطة البداية كل مرة.
إن إقليم ميدلت، بما يزخر به من مؤهلات اقتصادية ومجالية، يحتاج إلى إدارة تواكب المستثمر وتيسر انطلاق المقاولات، لا إلى مساطر تجعل تأسيس الشركة معركة إدارية قبل أن تبدأ ممارسة نشاطها. فكل يوم تأخير قد يعني ضياع فرصة تجارية أو تأجيل تشغيل مستخدمين أو تجميد رأسمال كان من الممكن أن يساهم في التنمية المحلية.
إن نجاح الرقمنة لا يقاس بعدد الخدمات الموضوعة على الإنترنت، بل بقدرتها على حل مشاكل المواطنين والمستثمرين في آجال معقولة وبقرارات واضحة. ومن هنا، فإن معالجة هذه الاختلالات بإقليم ميدلت ليست مطلباً إدارياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية وتنموية تفرضها الرغبة في خلق الثروة وفرص الشغل وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.
فهل تتحول الرقمنة بإقليم ميدلت إلى أداة فعلية لتبسيط الاستثمار، أم سيظل المستثمر ينتظر بين الإدارات، بينما تتحدث السياسات العمومية عن السرعة والنجاعة وتيسير المبادرة؟
إن المطلوب اليوم ليس وعوداً إضافية، بل حلول عملية، وتنسيق مؤسساتي فعال، ومسؤولية إدارية واضحة، حتى يصبح تأسيس الشركة بداية للاستثمار، لا بداية لمعاناة إدارية طويلة.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.