أقلام حرة شوف أشطاري ميديا

سبتة ومليلية بين الذاكرة الاستعمارية وامتحان حسن الجوار: حين تتحول الزيارات الملكية إلى رسائل سيادة، ويبقى سؤال التاريخ مفتوحاً

سبتة ومليلية بين الذاكرة الاستعمارية وامتحان حسن الجوار: حين تتحول الزيارات الملكية إلى رسائل سيادة، ويبقى سؤال التاريخ مفتوحاً

بقلم: الدكتور اسليماني مولاي عبد الله

ليست كل زيارة ملكية مجرد موعد في جدول البروتوكول، وليست كل صورة أمام الحشود والأعلام رسالة عابرة يمكن فصلها عن التاريخ والجغرافيا وحسابات السياسة. فعندما يختار العاهل الإسباني فيليبي السادس زيارة سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، ثم مليلية يوم 14 أكتوبر، في أول زيارة له إليهما منذ اعتلائه العرش سنة 2014، فإن الحدث يتجاوز طابعه الاحتفالي ليصبح تعبيراً سياسياً عن موقف الدولة الإسبانية من مدينتين لا تزالان تحتلان موقعاً حساساً في الذاكرة الوطنية المغربية وفي العلاقات بين الرباط ومدريد. وقد جاءت هذه الزيارة في سياق توتر أعقب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز الماضي، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً لم تنجح عقود العلاقات الدبلوماسية في إغلاقه: هل يكفي ترسيخ الأمر الواقع عبر المؤسسات والمراسم والرموز الوطنية لإنهاء نقاش تاريخي وسياسي ظل حاضراً في الوعي المغربي؟ <Cite refs={[“turn640789news47″,”turn640789search1″,”turn640789news53”]}/>

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى القصر الملكي الإسباني ليست دعوة إلى مواجهة عسكرية، ولا تحريضاً على الكراهية بين الشعوب، وإنما مطالبة واضحة بإعادة النظر في إرث تاريخي ما زالت آثاره حاضرة على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على خريطة إسبانيا الإدارية، بل مدينتان تقعان جغرافياً في شمال إفريقيا، وتحيط بهما الأراضي المغربية، وترتبطان بتاريخ طويل من التنافس بين القوى المتوسطية على الموانئ والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية. ومن ثم، فإن أي قراءة مسؤولة لمستقبلهما ينبغي أن تنطلق من الاعتراف بحساسية القضية بالنسبة إلى المغرب، وبأن العلاقات المغربية الإسبانية لا يمكن أن تبلغ كامل نضجها ما دامت هذه المسألة تظل موضوعاً للخلاف السياسي والرمزي.

وتفرض الأمانة التاريخية التمييز بين المسارين التاريخيين للمدينتين. فقد دخلت سبتة تحت السيطرة البرتغالية سنة 1415، قبل انتقالها إلى التاج الإسباني سنة 1668، بينما استولت إسبانيا على مليلية سنة 1497. ولم يكن التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا منفصلاً عن الصراع على النفوذ التجاري والعسكري في البحر المتوسط، ولا عن منطق التوسع الإمبراطوري الذي طبع تاريخ تلك المرحلة. ثم جاءت الحرب الإسبانية المغربية بين 1859 و1860، وانتهت بمعاهدة واد راس الموقعة في 26 أبريل 1860، التي فرضت على المغرب تعويضات مالية، وأقرت توسيع المجالات الخاضعة للسيطرة الإسبانية حول سبتة ومليلية. وتكشف الوثائق التاريخية الإسبانية نفسها أن هذه المعاهدة جاءت عقب هزائم عسكرية مغربية، وأنها أعادت ترتيب الحدود ومناطق النفوذ في ظل اختلال واضح في موازين القوة. <Cite refs={[“turn640789search0″,”turn640789search8″,”turn640789search12”]}/>

إن استحضار هذه الوقائع لا يعني أن التاريخ وحده يحسم تلقائياً كل نزاع إقليمي معاصر، فالقانون الدولي يقوم كذلك على المعاهدات والممارسة الدولية ومبادئ السيادة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. لكنه يعني، في المقابل، أن استقرار وضع سياسي لا يفرض على الطرف المتضرر تاريخياً التخلي عن ذاكرته أو اعتبار مطالبته بالنقاش أمراً غير مشروع. فالمغرب، الذي استعاد استقلاله سنة 1956، ظل ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما من الملفات الترابية التي لم تُطوَ نهائياً، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما وتعتبرهما جزءاً من ترابها الوطني. وهذا التعارض بين الموقفين واقع سياسي وقانوني ينبغي الاعتراف به قبل إصدار الأحكام أو تقديم دروس في حسن الجوار. <Cite refs={[“turn640789news50″,”turn640789search6”]}/>

ومن هنا، يمكن توجيه رسالة سياسية مباشرة إلى الملك فيليبي السادس: تستطيع الدولة الإسبانية أن تنظم الزيارات الرسمية، وأن ترفع أعلامها، وأن تحشد مؤسساتها ووسائل إعلامها لتأكيد موقفها؛ لكن المراسم لا تُنهي الأسئلة التاريخية، والصور لا تُسقط المطالب السياسية، والهتافات لا تعوض الحوار. وإذا كانت مدريد ترى أن وضع المدينتين محسوم من وجهة نظرها، فإن الرباط ترى أن الملف لم يستنفد أبعاده التاريخية والسياسية. وبين الموقفين تظل الحاجة قائمة إلى مقاربة عقلانية لا تستفز مشاعر المغاربة، ولا تحول الخلاف الترابي إلى خصومة بين مجتمعين تجمعهما المصالح الاقتصادية والروابط الإنسانية والجوار الجغرافي.

وليس من الحكمة أن يُختزل هذا النقاش في هوية الملك أو أصوله أو لغته أو ملامحه، لأن النزاعات الترابية لا تُحل بالأنساب ولا بمعايير العرق واللون. فالجغرافيا السياسية والتاريخ والوثائق والقانون هي أدوات النقاش الجاد، أما تحويل الاختلاف إلى مواجهة هوياتية فيضعف الحجة التي يراد الدفاع عنها. إن قوة المرافعة المغربية تكمن في التمسك بالذاكرة الوطنية، وفي تقديم الحجج التاريخية والقانونية، وفي المطالبة بتسوية عادلة وسلمية، لا في إنكار إنسانية الإسبان أو التشكيك في انتمائهم الثقافي. فالشعوب ليست مسؤولة جماعياً عن كل قرارات أنظمتها السابقة، كما أن الاعتزاز بالوطن لا يتطلب احتقار الآخر.

غير أن زيارة أكتوبر 2026 اكتسبت دلالة إضافية لأنها جاءت بعد أزمة إنسانية استثنائية على الحدود. فقد تحدثت تقارير إعلامية دولية عن عبور أكثر من 70 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة الهجرة التي شهدتها نهاية يوليوز، فيما اختلفت التقديرات المنشورة بشأن عدد الوفيات، وتحدثت تقارير عن سقوط عشرات الضحايا، بينما أشارت تغطيات أخرى إلى أعداد تجاوزت المائة. وهذه الأرقام، مهما اختلفت تفاصيلها النهائية، تكشف حجم المأساة الإنسانية التي لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد أداة في التنافس السياسي بين الدول. <Cite refs={[“turn640789search1″,”turn640789news47″,”turn640789search11”]}/>

لقد كشفت هذه الأزمة عن حقيقة اجتماعية لا تستطيع الأسلاك الحدودية إخفاءها: حين يفقد الشباب الأمل في العمل والاستقرار، يصبح الطريق المحفوف بالمخاطر، مهما كانت احتمالات الموت والاعتقال والإعادة، في نظر بعضهم أقل قسوة من البقاء في واقع يشعرون فيه بانسداد الأفق. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بعامل واحد، أو تحميل دولة واحدة مسؤوليتها كاملة؛ فهي ترتبط بتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية، وبنشاط شبكات التهريب، وبالمعلومات المضللة، وبالاختلالات التي تدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات يائسة. وقد أكدت السلطات الإسبانية، في توضيح منشور يوم 3 غشت 2026، أن الدخول غير النظامي عبر سبتة ومليلية لا يمنح صاحبه حق الإقامة في إسبانيا أو التنقل بحرية داخل أوروبا، وأن معظم الذين عبروا في 30 يوليوز أُعيدوا إلى المغرب. <Cite refs={[“turn640789search4″,”turn640789search7”]}/>

لكن تأكيد قواعد الحدود لا يعفي أي دولة من واجب حماية الحياة وصون الكرامة الإنسانية، كما أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا تمنح ترخيصاً بانتهاك الحقوق الأساسية. فالمهاجر، سواء كان مغربياً أو من جنسية أخرى، ليس رقماً في تقرير أمني، ولا مادة للاستهلاك الإعلامي، ولا وسيلة لإحراج حكومة أو الضغط على دولة مجاورة. إنه إنسان له أسرة واسم وذاكرة وحق في المعاملة الإنسانية، وتستوجب حالات الوفاة تحديد الهوية متى أمكن، وإبلاغ الأسر، واحترام حرمة الموتى، وتوفير إجراءات الدفن والتواصل القنصلي وفق القانون والاتفاقات ذات الصلة.

وفي هذا السياق، لا بد من التحفظ أمام الروايات المتداولة بشأن دفن الضحايا مجهولي الهوية أو ظروف التعامل مع جثامينهم، ما لم تُدعّم بوثائق رسمية أو تحقيقات مستقلة موثوقة. فخطورة المأساة لا تبرر نشر تفاصيل غير مثبتة، بل تجعل التحقق أكثر إلحاحاً. والمطالبة بكشف الحقيقة لا تقل أهمية عن المطالبة بالمحاسبة؛ إذ لا يمكن تأسيس موقف حقوقي قوي على معلومات لا نملك القدرة على إثباتها.

أما تحويل الزيارة الملكية إلى احتفال سياسي في ظل أزمة لم تندمل آثارها، فيطرح سؤالاً أخلاقياً مشروعاً حول التوازن بين التعبير عن الانتماء الوطني واحترام الضحايا. فمن حق سكان سبتة ومليلية التعبير عن مواقفهم السياسية وهويتهم، ومن واجب المؤسسات الإسبانية حماية أمنهم وتدبير الأزمة، لكن لا ينبغي أن يطغى الخطاب السيادي على ضرورة معالجة الجراح الإنسانية، أو أن تصبح الزيارة مناسبة لتجاهل الظروف التي عاشها المهاجرون، ومن بينهم مغاربة فقدوا حياتهم أو واجهوا ظروفاً قاسية.

إن العلاقات بين المغرب وإسبانيا أكبر من أن تُختزل في ملف واحد، لكنها أيضاً أعمق من أن تُدار بمنطق المجاملات وحدها. فالتعاون في التجارة والاستثمار والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر وإدارة الهجرة يقتضي الثقة المتبادلة، وهذه الثقة لا تُبنى بتجاهل الخلافات، بل بإدارتها بوضوح واحترام. ومن حق المغرب أن يدافع عن موقفه من سبتة ومليلية، كما أن من واجبه أن يواصل معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، وأن يجعل التشغيل والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص عناصر مركزية في أي استراتيجية وطنية للهجرة.

وإذا كانت مدريد تؤكد، كما فعل الملك فيليبي السادس خلال زيارته، أهمية العلاقة القائمة على الثقة وحسن النية مع المغرب، فإن حسن الجوار ينبغي أن يُترجم إلى سلوك مؤسساتي متوازن، وإلى تفادي الخطوات التي قد تُفهم في الرباط باعتبارها تجاهلاً للحساسية الترابية المغربية. وفي المقابل، فإن الدفاع عن المطالب الوطنية يحتاج إلى دبلوماسية مستمرة، وإلى توثيق تاريخي وقانوني رصين، وإلى خطاب مسؤول لا يخلط بين الدولة والشعب، ولا بين نقد السياسات والتحريض على المواطنين. <Cite refs={[“turn640789search3″,”turn640789news53”]}/>

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام مدريد والرباط معاً هو: هل يمكن بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد على أساس التعاون الاقتصادي والأمني، مع ترك ملف تاريخي بهذا الحجم رهين التصريحات والزيارات الرمزية؟ إن الجواب لا يكمن في التصعيد، ولا في انتظار أن يغير الزمن وحده موازين المواقف، بل في فتح المجال أمام حوار جاد حول الملفات الخلافية، بعيداً عن الاستفزاز والتوظيف الانتخابي والمزايدات الإعلامية، مع احترام الحقوق الأساسية لجميع الأشخاص الموجودين على جانبي الحدود.

إن رسالة المغاربة إلى ملك إسبانيا ليست أن يدخل المدينتين تحت حماية جيشه، ولا أن يصنع مفاتيحهما بيديه ليحتفظ بها لنفسه؛ فذلك مشهد رمزي قد يعبر عن الغضب، لكنه لا يقدم حلاً سياسياً. الرسالة الأعمق هي أن القوة العسكرية والرموز الرسمية لا تمحو الذاكرة التاريخية، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد تثبيت الأمر الواقع، بل حين تتوافر الإرادة السياسية لمعالجة الخلافات بالحوار والاحترام المتبادل. فسبتة ومليلية ستظلان في الوجدان المغربي قضية سيادة وذاكرة، وستظلان في الحسابات الإسبانية جزءاً من تصورها لوحدتها الترابية، ولن يؤدي تجاهل أحد الموقفين إلى اختفاء الآخر.

ومن موقع المسؤولية الفكرية والوطنية، أؤكد أن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية ينبغي أن يظل دفاعاً عن الحق بالحجة، وعن الذاكرة بالوثيقة، وعن الإنسان بالكرامة. فالأوطان لا تسترد مكانتها بالصراخ وحده، ولا تُصان حقوقها بتزييف الوقائع، وإنما بالوعي والتماسك الداخلي والعمل الدبلوماسي والقانوني طويل النفس. أما ضحايا الهجرة، فهم ليسوا تفصيلاً هامشياً في هذا النزاع، بل إنذار مؤلم بأن أي خلاف سياسي يفقد معناه الأخلاقي حين يتراجع الإنسان إلى آخر سلم الاهتمام.

قد تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتتعدد القراءات التاريخية، لكن الجغرافيا تبقى حقيقة ثابتة، والذاكرة الوطنية لا تُمحى بزيارة رسمية، والكرامة الإنسانية لا يجوز أن تخضع لحسابات السياسة. وبين ضفتي المتوسط، لا يحتاج المستقبل إلى مزيد من الاستفزاز، بل إلى شجاعة الاعتراف بالخلاف، وصدق الحوار، والقدرة على بناء سلام عادل يحفظ للشعوب كرامتها، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للعيش بعيداً عن مآسي الحدود وصراعات الماضي.

عبد الواحد الحسناوي
مراسل

عبد الواحد الحسناوي

يساهم في تغطية الأخبار وإنتاج المحتوى التحريري لشوف أشطاري.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *