بقلم الأستاذ مولود بسالم
كان الالتحاق بالمدرسة في أيام طفولتنا أيسر مما هو عليه اليوم، أقلَّ تكلفةً، وأخف عبئا ؛ و لم تكن كثرة الكتب و الكراسات تُثقل محافظ التلاميذ الصغار ،كما هو شأنها اليوم، حتى غدت أحمالها ترهق أجساد الأطفال الغضّة وتقوّس ظهورهم الصغيرة. كان كتاب واحد يكفينا، نحمله بين أيدينا الصغيرتين دون عناء، لكنه كان يختزل عالماً بأكمله؛ عالماً يضج بالحركة والحياة، ويزخر بصور وأمكنة وشخصيات لم نعهد لها مثيلًا في بيئتنا .
كانت تلك الكتب تستوطن ذاكرتنا قبل أن تستقر في حقائبنا، وتفتح أمامنا نوافذ واسعة على عوالم بعيدة، فتوسّع مداركنا وتستثير خيالنا بمشاهدها وحكاياتها. كنا نعيش في رقعة جغرافية محدودة، بعيداً عن كثير من مظاهر الحياة العصرية، تحاصرنا حدود المكان وظروف الزمان، ولا يصلنا من العالم المتفتح على الحداثة واتساع الآفاق إلا النزر اليسير.
كنت، في سنواتي الدراسية الأولى بمدرسة قصرنا المتواضعة، أهاب الكتاب وأجلّه، وأحيطه بشيء من التقديس الطفولي الجميل. أقضي بين صفحاته أوقاتاً طويلة، أتأمل صوره الجذابة، وأتنقل بين سطوره ومشاهده في متعة لا أجد لها تفسيراً. كان الكتاب، في عيني، أشبه بمعرض فسيح تتوالى فيه التحف والمشاهد الجدابة؛ وكلما قلبت صفحة، انفتح أمامي باب جديد على عالم لم تطأه قدماي، ولم تقع عليه عيناي من قبل.
وكانت سلسلة «اقرأ»، لمؤلفها المرحوم أحمد بوكماخ، والمقررة لمادة المطالعة في المرحلة الابتدائية، أكثر من مجرد كتب مدرسية؛ لقد كانت نافذتنا المشرعة على عالم أوسع من قريتنا، وأرحب من حدود طفولتنا. كنا نفتح صفحاتها فنشعر كأننا نغادر أماكننا دون أن نبرح مقاعدنا، ونطوف في آفاق لم تكن أعيننا الصغيرة قد رأت منها شيئاً. وكانت الصور، بما تحمله من ألوان زاهية وتفاصيل دقيقة، تمنح الكلمات حياة محسوسة، وتقرِّب إلينا ما كان بعيداً عن واقعنا، حتى غدا الكتاب عالماً نكتشفه صفحة بعد أخرى ،عالم يتجاوز حدود القرية ويزيح عن أعيننا ستار المألوف، ليكشف لنا أسرار الحياة وألوانها .
تعرّفنا من خلال تلك الصفحات على القطار والطائرة والباخرة، ونحن بالكاد نلمح دراجة أو سيارة تصل قريتنا. كانت صور هذه الوسائل، بألوانها البراقة وتفاصيلها اللافتة، تثير فينا دهشة لا تخبو؛ فنحدّق فيها طويلاً، وتتزاحم الأسئلة في أذهاننا الصغيرة: كيف يتحرك قطار بهذا الطول؟! وكيف تحلق طائرة في السماء؟! وكيف تشق باخرة ضخمة عباب البحر؟! كانت تلك المشاهد تبدو لنا أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، إذ لم يكن لنا من العالم الواسع سوى ما تكشفه لنا صفحات «اقرأ».
ولم تكن الصور مجرد رسوم تزيّن النصوص، بل كانت أحياناً أبلغ من الكلمات تعبيراً، وأقدر منها على تجسيد المعاني وترسيخها في أذهاننا. فقد كانت تحملنا إلى أمكنة بعيدة، وتكشف لنا عن مظاهر حياة لم نكن نعرفها إلا من خلالها.
من بين تلك الصور التي ظلت راسخة في ذاكرتنا، صورة ممرضة بزيها الأبيض الناصع، تؤدي عملها في مستوصف أنيق ومنظم. شدّنا المشهد بما يوحي به من عناية بالإنسان ورعاية صحية، وكنا، ونحن نتأمله، نستحضر واقع قريتنا التي لم تكن تتوفر حتى على غرفة صغيرة للإسعاف. فبدا لنا ذلك المستوصف عالماً آخر، تفصلتنا عنه مسافة لم نكن ندرك أبعادها، لكننا كنا نحسُّ بها في قرارة أنفسنا.
كانت مشاهد تلاميذ مدارس المدينة تستوقفنا طويلاً؛ نتأمل ملابسهم النظيفة وهيئاتهم الأنيقة، ونقارن، دون أن نشعر، بين ما نراه أمامنا وما نعيشه في واقعنا البسيط. كنا نلج فصل مدرستنا بملابس متواضعة غلب عليها القِدَم. فنجد في تلك الصور عالماً مختلفاً عنا، تبدو مظاهر الحياة فيه أكثر ترتيباً وجمالاً.
لم تكن أناقة التلاميذ وحدها ما يشدّ
انتباهنا، بل كانت هيئة المعلم أيضاً، بملابسه المرتبة ومظهره المهيب، إلى جانب نظافة الفصول ورونقها، وساحة المدرسة الفسيحة المسيّجة. كنا نقارن، دون أن نعي تماماً أبعاد تلك الفوارق، بين ما تعرضه الصور وما نراه كل يوم في مدرستنا المتواضعة، ذات الفصل الوحيد المفتوح على العموم، بلا سياج يحميه ولا حارس يقف عند مدخله. لم تكن تلك المقارنات تصدر عن شعور بالحرمان بقدر ما كانت تعكس دهشتنا أمام عالم ٱخر بدأت ملامحه تتشكل في أذهاننا من خلال القراءة.
تأخذنا الصور إلى البحر وشواطئه الفسيحة. كنا نحدِّق طويلاً في زرقة مياهه الممتدة نحو الأفق، ونتأمل أمواجه المتلاحقة وهي تتكسر على الشاطئ، ونتخيل نعومة رماله المزدحمة بالمصطافين تحت المظلات الملونة. كان البحر بالنسبة إلينا فضاءً ساحراً، لا نعرف عنه إلا ما ترسمه الصور في مخيلتنا؛ فنحن الذين لم نكن نعرف من الماء سوى برك الوادي التي كنا نلجأ إليها كلما لفحت شمس الصيف أجسادنا الصغيرة .بين تلك البرك المحدودة والشاطئ الرحب الذي تعرضه صفحات الكتاب، كانت المسافة واسعة، لكن خيالنا الطفولي كان قادراً على عبورها.
كانت مشاهد الأطفال وهم يلعبون تستأثر بدورها باهتمامنا. نتريث عندها طويلاً، نتأمل ألعاباً لم نر مثلها من قبل، ونقارنها بألعابنا التي كنا نصنعها بأيدينا من أبسط الأشياء المتاحة. كنا نبتكر لأنفسنا عالماً من اللعب انطلاقاً من بقايا المتلاشيات ومخلّفاتها، بينما كانت صفحات الكتاب تعرض أمامنا ألعاباً جاهزة، أخاذة الألوان، تبدو لنا كأنها أحلام صغيرة لا سبيل إلى بلوغها إلا بالنظر إليها. ومع ذلك، لم نكن نشعر بأن ألعابنا أقل متعة؛ فقد كان خيالنا يمنح ما نصنعه بأيدينا حياة لا تقل سحراً عما تعرضه الصور.
ومن بين المشاهد التي أثارت فضولنا أيضاً صورة الشرطي بزيه الرسمي وقبعته المميزة، واقفاً في ملتقى الطرق ينظّم حركة السير بحزم وثقة، فيما تتحرك السيارات من حوله في انسياب منتظم . كنا نتأمل المشهد في صمت ودهشة، مأخوذين بهيبة الرجل ودقة حركاته، وكأننا نعيش تلك اللحظات بأنفسنا. ولعلّ ما زاد من افتتاننا بذلك أننا كنا أبناء قرية لم تكن شوارعها الترابية وأزقتها الملتوية تعرف حركة مرور معقدة تستدعي وجود شرطي لتنظيمها، لم تكن لدينا تقاطعات مزدحمة ولا سيارات مصطفة تنتظر الإشارة، ولذلك بدا لنا ذلك المشهد غريباً ومثيراً في آن واحد. ومع مرور الوقت، تجاوز إعجابنا التأمل، وراودتنا أمنية أن نصبح مثل ذلك الشرطي يوماً ما؛ نرتدي بذلته الرسمية، ونضع قبعته المهيبة، ونقف بشموخ في ملتقى الطرق، نوجّه السيارات بحزم وثقة.
لم تكن صور «اقرأ» مجرد مشاهد عابرة نتأملها ثم ننساها، بل كانت تزرع في نفوسنا أحلاماً صغيرة، وتفتح أمامنا آفاقاً لم نكن نتصور وجودها. لقد جعلتنا نرى بخيالنا ما لم تكن أعيننا قد رأته، و نطمح إلى ما لم يكن واقعنا يتيح لنا الاقتراب منه.
ولم تقتصر تلك الكتب على تعريفنا بالأشياء والأمكنة والمهن فحسب، بل أسهمت أيضاً في تشكيل وعينا الأول بالحياة والوطن. فمن صور الجنود والأعلام، ومن مشاهد احتفال الناس بالمناسبات الوطنية، بدأت تتشكل في وجداننا معاني الانتماء والاعتزاز بالوطن، وإن كنا يومها أصغر من أن ندرك أبعادها العميقة. كانت تلك الصور تترك في نفوسنا انطباعات غامضة، لا نملك القدرة على التعبير عنها، لكنها كانت أشبه ببذور صغيرة ستنمو معنا مع مرور السنين.
بقدر ما كانت الصور تأسر أبصارنا، كانت النصوص تستحوذ على أسماعنا وعقولنا. فقد كان صدى صوت المعلم وهو يقرأ يملأ الفصل، فننصت إليه باهتمام، ونتابع الأحداث بشغف، ونعيش تفاصيل الحكايات بخيالنا الطفولي البريء. كنا نضحك من طرائف الثرثار ومحب الاختصار، ونندهش من صورة العملاق الذي يقف الطفل على كفّه، ونستمتع بحكايةالثرثار و محب الإختصار وقصة الحطاب والموت ،ونتفاعل مع قصة تلك البدويّة التي فاجأها شاب بمصباح كهربائي يدوي فانبهرت بشعاعه ، وصارت تنظر إليه باستغراب، وتتساءل كيف يستطيع جهاز صغير أن يضيء دون أن تكون فيه شعلة من نار؟!, وكان سؤالها يشبه أسئلتنا نحن، فقد كنا نعيش الدهشة نفسها أمام أشياء كثيرة لم نكن نعرف لها تفسيراً. وربما وجدنا في حيرتها شيئاً من حيرتنا، وفي تساؤلاتها صدى لما كان يدور في أذهاننا كلما واجهتنا مظاهر جديدة من مظاهر الحياة.
كان إعجابنا بشخصيات تلك الكتب وحكاياتها شديدا،فهي لم تبقَ حبيسة صفحاتها، بل خرجت منها لتعيش بيننا. صرنا نطلق أسماءها على أصدقائنا، مفتونين بوقعها الجديد وبريقها الذي بدا لنا عصرياً ومختلفاً عن أسمائنا المألوفة. فتحوّل بعض رفاقنا في مخيلتنا إلى شخصيات من حكايات المطالعة؛ فكان بيننا «كمال»، الذي عرفناه من نص «علم بلادي»، و«سعاد»، التي ارتبط اسمها في أذهاننا بالمكتبة، و«سلوى» ذات الجرس المنبّه. وهكذا استبدلنا أسماء بعضنا بأسماء أبطال النصوص، وكأننا نمنح أنفسنا هوية جديدة مستمدة من ذلك العالم الذي أحببناه.
ولم تقتصر علاقتنا بالشخصيات على الإعجاب والتقليد، بل امتدت إلى السخرية الطفولية من بعض مواقفها. فقد كان «زوزو»، صائد السمك، من الشخصيات التي التصقت بذاكرتنا؛ إذ انقلبت عليه حيلته حين ربط خيط السنارة بجسده، فجرّته سمكة ضخمة وكادت أن تلقي به في الماء. ومنذ ذلك الحين، صرنا نكني بـ«زوزو» كل من أخفق في حيلته أو وقع في شرّ ما دبَّره لنفسه.
كما ظل مشهد هروب «كيمو»، خوفاً من الدببة التي طاردته بعدما اقتحم بيتها واستولى على طعامها، مادة للتندر بيننا. كنا نستعيد تلك المواقف ونضحك منها، ونستحضر شخصياتها في ألعابنا ومشاكساتنا اليومية، وكأنها رفاق حقيقيون يشاركوننا طفولتنا. لقد منحتنا تلك الحكايات متعة لا تنتهي، وجعلت الكتاب يتجاوز حدود الورق والحبر ليصبح جزءاً من عالمنا الصغير.
لم تكن نصوص «اقرأ» عصيّة علينا، على الرغم من أن بعضها كان يحمل في طياته معاني تتجاوز مستوى إدراكنا آنذاك. كنا نتلقى الحكايات ببراءة، ونستمتع بأحداثها، دون أن نعي دائماً ما تنطوي عليه من حكم ودروس. لكن بعض تلك القصص ظل عالقاً في ذاكرتنا، لا لقوة أحداثه وحدها، بل لما كشفه لنا، مع مرور الزمن، من معانٍ عميقة.
ومن بين تلك الحكايات، قصة «الشجاع التعس»، التي تعلّمنا منها أن الوهم قد يكون أشد فتكاً من الحقيقة، وأن الخوف قد يجعل الإنسان يرى في أبسط الأشياء خطراً قاتلاً. فقد راهن شاب قروي رفاقه على الذهاب ليلاً إلى المقبرة، ليثبت شجاعته بدقِّذ وتد في أحد القبور. وكان يريد أن يعود منتصراً، تاركا دليلاً على جرأته، لكنه لم يكن يدرك أن التهور ليس شجاعة، وأن الإقدام الذي لا يسنده العقل قد يقود إلى الهلاك، إذ حين همّ بالعودة، عجز عن الحركة جراء تثبيت طرف جلبابه بالوتد دون أن ينتبه ،وبدلاً من أن يتحقق من سبب تعثره، استولى عليه الخوف، وتوهّم أن يداً خفية تشدّه إلى القبر. تضاعف رعبه، وعجز عن التفكير بهدوء، حتى سقط ميتاً من شدة الهلع، بحسب ما ترويه الحكاية.
ولم تكن العبرة في تلك القصة مجرد التحذير من الخوف، بل في التنبيه إلى أن الإنسان قد يصنع بجهله وتسرعه خطراً لم يكن موجوداً أصلاً. فكم من وهم ينسجه الخيال، فيصدِّقه العقل، ثم يدفع صاحبه ثمنه غالياً! وكم من موقف كان يمكن تجاوزه بقليل من التريث والتعقل، لولا أن الخوف صادر القدرة على التفكير! لقد أدركنا.
ونحن نستعيد هذه الحكاية اليوم، بعد أن نضجت تجربتنا في الحياة واتّسعت رؤيتنا للأشياء، ندرك أن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في ادّعاء الجرأة أو الاندفاع نحو المجهول، بل في تحكيم العقل، وتقدير العواقب، والتمييز بين الإقدام المحمود والتهوّر الذي قد يقود إلى الندم.
وفي مقابل تلك الحكاية التي كشفت لنا عاقبة التهور، ظل وفاء الكلب «سوسان» من القصص التي تركت في نفوسنا أثراً مختلفاً. فقد تعقّب الكلب أثر صاحبته «أنيسة»، بعدما انتظر عودتها طويلاً عند باب المدرسة ليأَمِّن رجوعها، وأبى أن يعود إلى البيت دونها. وحين طال غيابها، دفعه وفاؤه إلى قطع المسافات ومواجهة المشاق حتى يعثر عليها ويطمئن على عودتها سالمة. لم يكن الوفاء في تلك الحكاية كلمة مجردة، بل سلوكاً تجسّد في إصرار كلب لم يتخلّٓ عن صاحبته، فكان مثالاً مؤثراً في الإخلاص والتعلق بمن نحب.
أما حكمة البستاني، فقد ظلت من المعاني التي استقرت في الذاكرة وبقيت صالحة لكل زمان. يروي النص أن ملكاً سأل بستانياً يغرس النخيل: «أتؤمل أن تأكل من ثمر هذا النخيل، وهو لا يحمل إلا بعد سنين طويلة، وقد فني عمرك؟». فأجابه البستاني بحكمة بليغة: «لو فكّر الآباء هكذا لضاع الأبناء؛ غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون».
كانت تلك الكلمات البسيطة تختزل فلسفة كاملة في الحياة؛ فليس كل ما نزرعه معدّاً لأن ننتفع به نحن، وليس كل جهد نبذله مشروطاً بأن نرى ثماره بأعيننا. ثمة أعمال نقوم بها إيماناً بالمستقبل، ورغبة في أن يجد من يأتي بعدنا ما يعينه على مواصلة الطريق. هكذا علمتنا الحكاية، من حيث لم نكن ندرك، أن العطاء الحقيقي يتجاوز حدود العمر، وأن بناء المستقبل يبدأ أحياناً بزرع بذرة لن نأكل ثمارها.
لقد جمعت سلسلة «اقرأ» بين متعة الحكاية وعمق المغزى، وبين الصورة التي توقظ الخيال والنص الذي يهذِّب السلوك. كانت تعلمنا الصدق والوفاء والإخلاص والصبر، وتدعونا إلى التعقل والانضباط، وتحذرنا من التهور والاندفاع. وما بدا لنا يومئذ مجرد قصص للتسلية والمطالعة، انكشف لنا مع مرور السنين بوصفه رصيداً تربوياً وأخلاقياً أسهم في تشكيل نظرتنا إلى الحياة.
لقد استوطنتنا تلك الكتب بحق؛ فلم تكن مجرد أوراق وحروف وصور تستقر في محفظة مدرسية، بل كانت رفاقاً لطفولتنا، ونوافذ نطل منها على عالم لم تكن أقدامنا قادرة على بلوغه. كنا نفتح صفحاتها، فنشمّ، بخيالنا الطفولي، أريج أزهارها، ونتذوق شهد حكاياتها، ونتفاعل مع شخصياتها وأحداثها كأننا جزء منها. كانت تأخذنا بعيداً عن حدود المكان، وتمنح أيامنا البسيطة ألواناً جديدة، وتزرع في نفوسنا فضولاً لاكتشاف ما وراء الأفق.
ولم نكن ندرك، ونحن نقلب صفحاتها بشغف، أن تلك اللحظات العابرة كانت تترك في أعماقنا آثاراً سترافقنا طويلاً. فقد كانت الصور توسّع خيالنا، والحكايات توقظ أسئلتنا، والشخصيات تثير فينا الإعجاب والضحك، فيما كانت الحكم والمعاني تتسلل إلى وجداننا بهدوء، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً من رصيدنا الإنساني.
واليوم، حين أستعيد تلك السنوات البعيدة، وأستحضر وجوه الشخصيات ومشاهد الصور وأصوات المعلمين وهم يقرؤون علينا نصوص المطالعة، أدرك أن سلسلة «اقرأ»
كانت بحق واحة معرفة في صحراء واقعنا المحدود، نرتوي من معينها كلما فتحنا صفحاتها، ونمضي بعدها إلى أيامنا محمّلين بدهشة جديدة وحلم جديد. وما زال عبقها يسكن ذاكرتي، شاهداً على زمن كان فيه كتاب واحد كفيلاً بأن يفتح أمام طفل قروي أبواب عالم كامل.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.