بقلم الأستاذ مولود بسالم
كان المجذوب واحدًا من أولئك الرجال الذين أحاطتهم الذاكرة الشعبية بهالة من الهيبة والوقار، وصنفتهم في عداد أولياء الله الصالحين، ممن تُروى عنهم الكرامات وتُطلب منهم البركات. لذلك لم يكن أحد يجرؤ على التطاول على حرمته أو التشكي في في مقامه؛ فقد كان مجرد ذكر اسمه يبعث في النفوس شيئًا من التوقير، وفي نفوسنا نحن الأطفال شيئًا آخر من الوجل والفضول.
كان رجلًا وقورًا، زاهدًا، يعيش منعزلًا عن الناس في بيت عند أقصى القصر، كأنما اختار لنفسه زاوية بعيدة عن صخب الحياة وضجيجها. ولم نكن نعرف له أسرة سوى زوجته، تلك المرأة الغريبة الأطوار التي كنا نتحاشى نظراتها الحادة و سلوكها الغريب الذي يثير فينا الكثير من الخوف والتساؤل رغم أنها لم تكن تؤذي أحدًا. كانت الأقاويل تسبقها؛ فقد قيل أن لها صحبة من الجن،وأن أصواتا غريبة كانت تُسمع أحيانًا من بيتها القابع عند نهاية الدرب، ولم نكن بحاجة إلى أكثر من ذلك كي نصدق الحكاية كاملة، فنبتعد عن البيت ونترك المكان لأهله مكتفين بما ينسجه خيال الطفولة من أسرار ،و رغم ذلك كانت نساء القصر وحدهن يتعاملن معها بألفة واطمئنان، وكأنهن يعرفن سرًّا لا نعرفه نحن الصغار.
أما المجذوب نفسه، فلم يكن يخالط ساكنة القصر كثيرًا، رغم أن صلته بهم كانت وثيقة. لم يكن يحضر ولائمهم ولا يشاركهم جموعهم التي تثار فيها نقاشات صاخبة،و يعلو فيها اللغط والجدال حول شؤون القصر وقضايا أهله، والتي تنتهي في الغالب إلى رأي واحد يتوافق عليه الجميع. كان يحرص على حضور مجالس الذكر التي تقام ليلا من حين لآخر دون أن يُستدعى إليها تجلبه إليها أصوات المادحين الشجية و نقرات (الطبيلات ) الرنانة .يتخذ مكانه في زاوية عند طرف الحلقة ويندمج مع أجوائها متمايلا برأسه مع إيقاعاتها الروحانية
كان الناس يرون فيه صاحب كرامة، ويعتقدون أن الحجب تنكشف له، وأن له من الفراسة ما يجعله يرى ما لا يراه الآخرون. لذلك كانوا يتسابقون إلى الإحسان إليه بما يستطيعون من عطاء، طمعًا في دعوخير منه، يرجون أن تحل البركة في أرزاقهم و أولادهم، و أن تنفتح أمامهم أبواب الخير.
كانت هيئته وحدها كافية لتزيد تلك الهالة التي أحاط بها الناس شخصه. كان طويل القامة، ممتلئ الجسد، عريض الكتفين، يمشي بخطى ثابتة متزنة، مرتديا عباءة ناصعة البياض، ممسكًا عصًا طويلة،كنا نعرف لحظة خروجه من بيته قبل أن
نزاه ونحن غارقون في لعبنا؛ نركض ونضحك ونتدافع، ويعلو صخبنا حتى يبدو لنا و كأنه قادم من عالم آخر،فما أن يقترب من أول الزقاق حتى يتغير كل شيء و يسري بيننا تنبيه صامت: المجذوب قادم!تخفت أصواتنا، وتتوقف ألعابنا، وننسحب إلى جوانب الزقاق. نلتصق بالجدار ونوسع له الطريق، ونراقبه في صمت مشوب بشيء من الوجل الطفولي، بينما يمضي أمامنا بخطواته الثابتة الهادئة، وعصاه الطويلة في يده، وعباءته البيضاء تلامس أعيننا قبل أن يغيب عن الدرب لكن أكثر ما كان يدهشنا فيه هو أنه لم يكن يمر بنا مرورًا عابرًا بل كان يتوقف أحيانا ثم يمعن النظر في وجوهنا الصغيرة لحظات، ثم ينادي بعضنا بأسماء آبائنا، وكأنه يعرفنا معرفةً تتجاوز أعمارنا وملامحنا ،نرفع رؤوسنا إليه بدهشة، وتتسع أعيننا ونحن نصغي إليه في حيرة. كيف استطاع أن يعرفنا واحدًا واحدًا، لا بأسمائنا فحسب، بل بأسماء آبائنا أيضًا؟ «أنت ابن فلان، وأنت ابن فلان…»! ثم يختم كلامه بدعائه المألوف: «اللهم اجعل الخلف خيرًا من السلف». كلام يتجاوز مداركنا الصغيرة، ولا تجد له عقولنا الطفولية تفسيرًا فهو واحد من تلك الألغاز التي كان المجذوب يهمهم بها من حين لآخر وهو يشق طريقه إلى وجهته خارج القصر ، كلمات غامضة لا يكاد يَفكُّ طلاسمها حتى الكبار.
نعود إلى اللعب بعد أن يبتعد، لكننا لا نعود كما كنا؛ إذ تظل نظراتنا معلقة بأثره، ويظل السؤال يدور في رؤوسنا الصغيرة:
من أين للمجذوب بكل هذه الفراسة؟كنا نعتقد أنه يرى في ملامحنانا ما لا نراه نحن، وأن له قدرة خفية على كشف الأسرار. لكن لم يكن أحد منا يجرؤ على سؤاله عن سر معرفته.
مع مرور السنوات، بقيت صورته عالقة في الذاكرة كما بقيت أشياء كثيرة من ذلك الزمن: عباءته البيضاء، عصاه الطويلة، خطاه الواثقة، ووجوهنا الصغيرة وهي تلتصق بجدار الزقاق لتفسح له الطريق.
ربما تغيرت الحكايات، وربما أخذ العقل الكبير يفسر ما كان الطفل يراه بعين أخرى، لكن صورة المجذوب ظلت كما هي في أعماق الذاكرة؛ رجلًا غامضًا نسج أهل القصر حوله حكاياتهم، ونسجنا نحن الأطفال حوله عالمًا من الرهبة والخيال.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.