استغلال نظام المقاول الذاتي لتشغيل المتقاعدين أصبح في السنوات الأخيرة ظاهرة مثيرة للجدل، إذ تلجأ بعض الشركات إلى إعادة تشغيل متقاعدين، مغاربة وأجانب، بنفس المهام والظروف التي كانوا يزاولونها قبل التقاعد، لكن تحت غطاء “المقاول الذاتي”. هذه الممارسة التي قد تبدو للبعض قانونية، تعتبر في الواقع تحايلاً على مدونة الشغل ووسيلة للتهرب من الالتزامات الاجتماعية والجبائية، خاصة تجاه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
كما أن القانون رقم 114.13 المتعلق بنظام المقاول الذاتي وضع إطارًا واضحًا لهذه الصفة، إذ يمنحها فقط للأشخاص الذين يزاولون نشاطًا مستقلًا لحسابهم الخاص، بعيدًا عن أي علاقة تبعية اقتصادية أو قانونية مع مشغّل واحد. أما مدونة الشغل المغربية، فتنص في مادتها الثانية على أن أي علاقة يتوفر فيها عنصر التبعية تعتبر علاقة شغل، بغض النظر عن التسمية المستعملة.
عندما يقوم متقاعد بالعمل لصالح نفس الشركة التي تقاعد منها، وبنفس المهام وتحت إشرافها المباشر، فإن الأمر يخرج عن نطاق العمل الحر، ويدخل في خانة “عقد الشغل المقنّع”، وهو ما يعتبره القانون المغربي مخالفة صريحة. مدونة الشغل جاءت صارمة في هذا الباب، إذ نصت المادة 9 و11 على أن أي عقد شغل مقنّع يُعامل قانونيًا كعقد شغل كامل الحقوق والالتزامات، فيما نصت المادة 530 على معاقبة كل مشغّل يتهرب من التصريح بالأجراء بغرامة مالية تتراوح بين 25.000 و30.000 درهم، مع إمكانية مضاعفتها في حالة العود، ونصت المادة 532 على غرامة من 2.000 إلى 5.000 دراهم لكل من يعرقل عمل مفتشية الشغل أو يقدم تصريحات غير صحيحة. وفي الحالات الجسيمة التي تمس بالصحة أو السلامة، يمكن للسلطات أن تتخذ قرار الإغلاق المؤقت أو النهائي للمؤسسة، مع إلزامها بأداء أجور العمال خلال فترة الإغلاق.
هذا النوع من التحايل لا يقتصر أثره على حرمان الأجير من حقوقه، بل يترتب عنه أيضًا ضياع مبالغ مالية مهمة كان من المفترض أن ترفد صناديق الدولة، سواء من مساهمات الضمان الاجتماعي أو الضرائب، ليتحول ذلك إلى أرباح مباشرة يستفيد منها المشغّل على حساب المال العام.
ورغم نشر العديد من التقارير الصحفية والتحقيقات الميدانية التي كشفت هذه الممارسات بالتفصيل، إلا أن غياب أي تحرك ملموس من قبل الجهات الرقابية والوصية يثير أكثر من علامة استفهام، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى فاعلية آليات المراقبة وتطبيق القانون. بل إن استمرار هذا الوضع يدفع إلى التساؤل إن كان الأمر يتعلق فقط بتقصير إداري، أم أن هناك تواطؤًا من طرف بعض عناصر مفتشية الشغل، بما يحول دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هذه الخروقات وحماية حقوق الشغيلة وصون هيبة القانون.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.