تشهد العلاقات المغربية السورية خلال الفترة الأخيرة حراكاً دبلوماسياً متزايداً، في سياق إقليمي ودولي يشهد إعادة ترتيب عدد من العلاقات وقنوات التواصل، خصوصاً بعد التحولات السياسية التي عرفتها سوريا وسعي دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها العربية والدولية.
ويأتي الحضور المغربي والسوري في نيويورك بالتزامن مع انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تشكل سنوياً محطة أساسية لعقد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف بين قادة الدول ووزراء الخارجية والمسؤولين، إلى جانب بحث عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تتداول مصادر إعلامية معطيات بشأن لقاء محتمل جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
غير أن هذه المعلومة تحتاج، حتى الآن، إلى قدر من التحفظ المهني، إذ لم يظهر في المصادر الرسمية المغربية أو السورية التي تم الاطلاع عليها تأكيد واضح لعقد لقاء ثنائي بين بوريطة والشرع أو تفاصيل بشأن مضمونه. وبالتالي، لا يمكن تقديم اللقاء باعتباره واقعة مؤكدة قبل صدور بلاغ رسمي أو معطيات موثوقة تثبته.
في المقابل، المؤكد أن ناصر بوريطة كثف خلال وجوده في نيويورك لقاءاته واتصالاته الدبلوماسية. فقد أجرى، الثلاثاء، مباحثات مع وزير الخارجية النيجري بكاري ياو سنغاري، تناولت العلاقات الثنائية والقضايا المرتبطة بإفريقيا ومنطقة الساحل، إضافة إلى عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كما شهدت أجندة الوزير المغربي لقاءات أخرى على هامش الجمعية العامة، في إطار الحضور الدبلوماسي المغربي المكثف في نيويورك، بما يعكس اتساع دائرة الاتصالات التي تجريها الرباط خلال هذه الدورة الأممية.
وبالموازاة مع ذلك، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك على رأس وفد رسمي يضم وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني وعدداً من المسؤولين، للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث من المقرر أن يلقي كلمة سوريا وأن يجري مباحثات مع عدد من قادة الدول والمسؤولين.
وقد عقد الشرع بالفعل عدداً من اللقاءات على هامش وجوده في نيويورك، من بينها مباحثات مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي تناولت العلاقات السورية الأمريكية والأوضاع في سوريا والتطورات الإقليمية والدولية.
كما شارك الرئيس السوري في جلسة حوارية بنيويورك تناولت رؤية القيادة السورية لمستقبل البلاد والتطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، مؤكداً أن دمشق تعتمد الحوار والمسار الدبلوماسي في معالجة عدد من الملفات الإقليمية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى التطورات التي شهدتها العلاقات المغربية السورية خلال سنة 2026، والتي أعادت التواصل الرسمي بين الرباط ودمشق إلى الواجهة بعد سنوات من الفتور.
وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد قام في 14 ماي الماضي بزيارة رسمية إلى المغرب بدعوة من ناصر بوريطة، وهي الزيارة التي وصفها البيان المشترك بين البلدين بأنها مناسبة لإعطاء «انطلاقة جديدة وقوية» للعلاقات المغربية السورية، ووضعها على أسس التعاون والاحترام المتبادل.
وخلال الزيارة، أكد الجانبان إرادتهما في تطوير التعاون الثنائي ومراجعة الأطر القانونية والمؤسساتية المنظمة لهذا التعاون، إلى جانب تعزيز التنسيق داخل المنظمات الإقليمية والدولية.
كما أعلن وزير الخارجية السوري، بتوجيهات من الرئيس أحمد الشرع، إعادة فتح السفارة السورية في الرباط بعد أكثر من عشر سنوات من القطيعة السياسية، مع الإشارة في البيان المشترك إلى إعادة فتح السفارة المغربية في دمشق خلال يونيو 2025.
وشكلت تلك التطورات مؤشراً رسمياً على انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جديدة، خصوصاً أن البيان المشترك تضمن مواقف متبادلة بشأن احترام سيادة ووحدة أراضي البلدين، إلى جانب التأكيد على تطوير التعاون في عدد من المجالات.
كما سجل البيان تطابقاً في عدد من المواقف المرتبطة بالقضايا الإقليمية، مع تأكيد البلدين على أهمية الحوار والتنسيق والمساهمة في حفظ السلم والأمن الإقليميين.
ومن هذه الزاوية، تكتسب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة بالنسبة لمسار العلاقات المغربية السورية، باعتبارها مناسبة تجمع عدداً كبيراً من المسؤولين والقادة في مكان واحد، وتوفر هامشاً واسعاً لعقد لقاءات ثنائية خارج الجلسات الرسمية.
غير أن وجود بوريطة والشرع في نيويورك، في الوقت نفسه، لا يكفي وحده لإثبات عقد لقاء مباشر بينهما. ولذلك يبقى أي حديث عن مباحثات ثنائية بين الرجلين رهيناً بصدور تأكيد رسمي أو معطيات موثوقة تكشف تفاصيل اللقاء في حال انعقاده.
وفي السياق نفسه، فإن العلاقات المغربية السورية لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بمستقبل سوريا، وإعادة الإعمار، والعلاقات العربية، والتعاون الأمني والاقتصادي، إضافة إلى الملفات الإقليمية التي تتقاطع فيها مصالح عدد من الدول.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن إعادة تنشيط العلاقات مع دمشق تأتي ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يقوم على تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التنسيق بشأن القضايا العربية والإفريقية والدولية، بينما تسعى دمشق، من جهتها، إلى توسيع دائرة علاقاتها الخارجية وإعادة بناء حضورها الدبلوماسي في المنطقة.
كما أن إعادة فتح السفارة السورية في الرباط، والتأكيد السوري على احترام سيادة المغرب، إلى جانب عودة السفارة المغربية إلى دمشق، تشكل معطيات رسمية أكثر أهمية في تقييم مسار العلاقات من الأخبار غير المؤكدة بشأن لقاءات عابرة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.
وعليه، فإن الصورة الأكثر دقة في الوقت الحالي تتمثل في وجود مسار رسمي لإعادة بناء العلاقات المغربية السورية، تدعمه زيارات ومباحثات واتفاقات معلنة، بينما يظل اللقاء المتداول بين ناصر بوريطة وأحمد الشرع بحاجة إلى تأكيد رسمي.
وتبرز نيويورك، في هذا السياق، كإحدى أهم المحطات لمتابعة هذا المسار، خصوصاً مع وجود الرئيس السوري ووزير خارجيته من جهة، وتكثيف وزير الخارجية المغربي لقاءاته واتصالاته من جهة أخرى.
وفي انتظار ما قد تكشف عنه الساعات المقبلة من معطيات رسمية، يبقى المؤكد أن العلاقات المغربية السورية توجد أمام مرحلة جديدة من التواصل، وأن التطورات التي شهدتها خلال سنة 2026 جعلت الملف الثنائي يحظى بحضور أكبر داخل الحراك الدبلوماسي العربي والدولي.
أما ما إذا كانت اجتماعات نيويورك ستنتج لقاءً مباشراً بين بوريطة والشرع أو ترتيبات جديدة في العلاقات بين الرباط ودمشق، فذلك يبقى مرتبطاً بما ستعلنه القنوات الرسمية المغربية والسورية خلال المرحلة المقبلة.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.