أسوأ أشكال الأمية هي الأمية السياسية.. مقولة تُختصر فيها فكرة أوسع من مجرد معرفة أسماء الأحزاب أو المسؤولين، لأنها ترتبط بقدرة المواطن على فهم ما يجري حوله، وربط القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتأثيراتها المباشرة على حياته.
الأمية السياسية لا تعني بالضرورة غياب التعليم أو ضعف المستوى الثقافي، فقد يكون الإنسان حاصلاً على شهادات عليا، لكنه لا يهتم بمن يقرر، وكيف تُتخذ القرارات، وما نتائجها، ومن يتحمل مسؤولية تنفيذها.
المشكلة تبدأ عندما يعيش المواطن نتائج السياسات العمومية في حياته اليومية، من ارتفاع الأسعار إلى صعوبة الحصول على فرصة عمل أو ضعف بعض الخدمات، ثم يتوقف عن طرح السؤال الأساسي: لماذا يحدث ذلك؟
من الطبيعي أن يتحمل الفرد جزءاً من مسؤوليته، وأن يكون الاجتهاد والعمل والتكوين عناصر أساسية في بناء المستقبل. لكن اختزال كل المشكلات الاجتماعية في الكسل أو ضعف المبادرة الفردية يتجاهل عوامل أخرى مرتبطة بالاقتصاد وسوق الشغل والتعليم والاستثمار والسياسات الاجتماعية.
فليس كل عاطل عن العمل شخصاً يرفض العمل، وليس كل فقير مسؤولاً وحده عن وضعه، كما أن البحث عن فرصة في سوق شغل محدود لا يمكن اختزاله دائماً في مسألة الإرادة الفردية.
وفي المقابل، فإن تحميل الدولة والمؤسسات مسؤولية كل مشكلة من دون استثناء ليس هو الآخر شكلاً من أشكال الوعي السياسي. المواطن الواعي هو الذي يعرف أين تنتهي مسؤوليته الفردية وأين تبدأ مسؤولية المؤسسات، ويميز بين الاختلال الحقيقي وبين ما يدخل في نطاق الظروف العامة أو الخيارات الاقتصادية.
المشكلة الأكثر خطورة تظهر عندما يتحول المواطن نفسه إلى مدافع عن واقع يشتكي منه، فيلوم العاطل بدل أن يسأل عن أسباب البطالة، ويلوم الفقير بدل أن يناقش أسباب الهشاشة، ويعتبر المطالبة بالخدمات والحقوق نوعاً من التشويش بدل النظر إليها باعتبارها جزءاً من النقاش العمومي.
المساءلة، في المقابل، لا تعني العداء للمؤسسات، كما أن النقد لا يعني الفوضى. فمن حق المواطن أن يسأل عن الوعود والبرامج والنتائج، ومن واجب المسؤول أن يقدم ما يستطيع من توضيحات حول ما تحقق وما لم يتحقق.
السياسة ليست موسم انتخابات ينتهي بمجرد وضع ورقة في صندوق الاقتراع، وإنما مسؤولية مستمرة تبدأ قبل الانتخابات وتستمر بعدها. ولذلك فإن تقييم المنتخبين لا ينبغي أن يتوقف عند الخطابات والشعارات، بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تحقق على أرض الواقع؟
والوعي السياسي لا يعني أيضاً رفض كل ما تقوم به المؤسسات. المواطن الواعي يعترف بالإنجاز عندما يستحق الإشادة، وينتقد القصور عندما تظهر أسبابه، ويفرق بين النقد المبني على المعطيات وبين الاتهامات المجانية.
كما أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم إذا أصبح البحث عن «كبش فداء» أسهل من البحث عن أسباب المشكلات. تحميل الفرد وحده مسؤولية اختلالات ذات أبعاد اقتصادية أو اجتماعية أو مؤسساتية قد يكون مريحاً، لكنه لا يقدم حلولاً حقيقية.
في المقابل، فإن المواطن الذي يسأل عن الغلاء والبطالة والخدمات العمومية والوعود الانتخابية وتدبير الموارد والنتائج، لا يمارس حقاً استثنائياً، وإنما يشارك في النقاش الذي يفترض أن تقوم عليه الحياة العامة.
لذلك، فإن مواجهة الأمية السياسية لا تحتاج فقط إلى المزيد من المعلومات، بل تحتاج إلى ترسيخ ثقافة السؤال، والقدرة على قراءة البرامج، وفهم الاختصاصات، ومقارنة الوعود بالحصيلة، وعدم التعامل مع الخطاب السياسي باعتباره حقيقة نهائية.
المواطن ليس مجرد رقم انتخابي، كما أن المسؤولية السياسية ليست امتيازاً دائماً. العلاقة بين الطرفين تقوم على الحقوق والواجبات وعلى قدر من المحاسبة والوضوح والثقة المتبادلة.
المطلوب ليس مواطناً يصفق لكل شيء، ولا مواطناً يرفض كل شيء، وإنما مواطن يفكر قبل أن يحكم، ويتحقق قبل أن يصدق، ويسأل قبل أن يبرر، وينتقد عندما يكون النقد ضرورياً، ويعترف بالإنجاز عندما يستحق الاعتراف.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يختلف المواطن مع السياسة، بل أن يتوقف عن الاهتمام بها، رغم أنها تؤثر في الأسعار والعمل والتعليم والصحة والخدمات ومستقبل المجتمع.
في النهاية، قد يكون السؤال البسيط أكثر أهمية من عشرات الشعارات: من اتخذ القرار؟ لماذا اتُخذ؟ ماذا كانت نتائجه؟ ومن يتحمل مسؤولية تلك النتائج؟
فالمواطن الذي يسأل لا يهدد المجتمع، بل يمارس واحدة من أهم أدوات المواطنة: الوعي والمساءلة.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.