مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود النقاش حول علاقة المنتخب بالمواطن، وحول طبيعة الأولويات التي يفترض أن تحكم العمل السياسي والمؤسساتي.
فالمواطن لا ينتظر من المنتخب مجرد حضور موسمي أو جولات ميدانية تنتهي بالتقاط الصور أمام مشروع أو ورش أو طريق، وإنما ينتظر عملاً حقيقياً ينعكس على حياته اليومية، ويستجيب للحاجيات الأساسية التي تشغله.
ولا شك أن إصلاح الطرقات وتحسين الإنارة والتشجير وتأهيل الفضاءات العمومية ملفات مهمة تدخل ضمن تدبير الشأن المحلي، غير أن ترتيب الأولويات يظل أمراً أساسياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاعات ترتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين وكرامتهم.
وفي مقدمة هذه القطاعات تأتي الصحة.
فلماذا لا تحظى المستشفيات والمراكز الصحية بالقدر نفسه من الاهتمام الميداني؟ ولماذا لا تصبح هذه المؤسسات ضمن المحطات الأساسية في جولات المنتخبين، للوقوف عن قرب على ظروف استقبال المرضى، والاستماع إلى شكايات المواطنين، ورصد الإكراهات، والترافع بشأن الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتهم؟
فالمواطن الذي يلج المستشفى لا يبحث عن صورة انتخابية، وإنما يبحث عن خدمة صحية لائقة، ومعلومة واضحة، واستقبال يحفظ كرامته، وتكفل يراعي ظروفه وحاجته إلى العلاج.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في عدد الجولات الميدانية أو الصور التي يتم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل في طبيعة النتائج التي تتركها هذه الجولات على أرض الواقع.
فالعمل المؤسساتي لا يقاس فقط بالحضور أمام الكاميرات، وإنما بمدى القدرة على تحديد الأولويات، والاستماع إلى المواطنين، والترافع عن قضاياهم، ومتابعة الملفات إلى حين الوصول إلى نتائج ملموسة.
وإذا كانت صورة المنتخب أمام ورش أو مشروع قد تعطي انطباعاً بالحضور، فإن المواطن يظل أكثر حاجة إلى معرفة ما الذي تغير فعلياً في حياته، وما الذي تم حله من المشاكل التي يواجهها يومياً.
وفي هذا السياق، تبدو الصحة من الملفات التي تستحق حضوراً أكبر في النقاش العمومي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحياة المواطنين، وباعتبار أن أي اختلال في الخدمات الصحية يمكن أن تكون له انعكاسات عميقة على الأسر والمجتمع.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية الطرقات أو الإنارة أو التشجير أو باقي المشاريع المحلية، وإنما بالدعوة إلى ترتيب الأولويات وفقاً لما يمس حياة المواطن بشكل مباشر، وعدم اختزال العمل الانتخابي في مظاهر سهلة التوثيق، بينما تحتاج الملفات الأساسية إلى عمل طويل، وترافع مستمر، وتتبع دقيق، ونتائج قابلة للقياس.
كما أن المسؤولية تقتضي التمييز بين ما يدخل ضمن اختصاص المنتخبين وما يعود إلى قطاعات ومؤسسات أخرى، مع ضرورة استعمال الآليات المتاحة للتنسيق والترافع وتتبع الملفات التي تهم الساكنة.
فالمواطن يريد أن يشعر بأن صوته لم يكن مجرد وسيلة للوصول إلى المسؤولية، وإنما أصبح أساساً لعلاقة تقوم على الاستماع والمساءلة والعمل المستمر.
والمنتخب الذي يضع المواطن في صلب اهتمامه لا يحتاج إلى إثبات حضوره بكثرة الصور، لأن الحصيلة والنتائج هي التي تتحدث عنه.
لقد حان الوقت للانتقال من سؤال: أين ظهر المنتخب اليوم؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا قدم للمواطن؟ وماذا تغير فعلاً بفضل عمله؟
فالإنجاز الحقيقي ليس في الصورة، وإنما في النتيجة، وليس في كثرة الظهور، وإنما في القدرة على معالجة الملفات التي تؤرق المواطنين.
وفي المقابل، فإن المواطن نفسه مطالب بأن يجعل من الحصيلة والبرنامج والكفاءة معياراً للاختيار، وألا يكتفي بما يظهر في الصور والمنشورات، لأن المسؤولية الانتخابية لا تنتهي يوم إعلان النتائج، بل تبدأ فعلياً بعد الوصول إلى المؤسسة المنتخبة.
وفي النهاية، تبقى الانتخابات آلية لاختيار من سيتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، ولذلك فإن معيار التقييم الحقيقي ينبغي أن يكون مرتبطاً بالكفاءة والالتزام والحصيلة والقدرة على خدمة المواطنين، وليس فقط بالحضور الإعلامي أو بكثرة الصور والمنشورات.
المواطن يريد خدمات تليق به، ونتائج يلمسها في حياته اليومية، لا صوراً يراها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.