بقلم الأستاذ مولود بسالم
عجيبٌ أمر هذه الديار التي يأبى وميض أُنسها أن يخبو، وتأبى بهجة رونقها أن تنطفئ، رغم تطاول عاديات الزمن و تحولاته المٓقِيتة على أحوالها و أيامها الخوالي التليدة .
كلما وقفتُ على أطلالها شعرتُ أن شيئا مني ما يزال عالقًا في جدرانها العتيقة ،و في حنايا أزقتها الضيقة، وفي تلك الدروب الملتوية التي لا تنفك تهمس بأسرارها لكل من مر بها و كأنها ترثي مجدها الذي أفل و اندثر.
كانت الأزقة و الحواري التي تصدح أَفْنِيَّتها بصدى صراخنا تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، تحفظ ضحكاتنا، وتستعيد وقع خطواتنا ونحن نعدوا في عتمة الأماسي، كنا نملأ فضاء القصر حركة وحياة، ننتقل من زقاق لآخر، ومن ساحة إلى أخرى، في غمرة من البهجة والانشراح، وكأن أجسادنا الصغيرة لا تعرف للتعب طعما ولا للإنهاك سبيلا.
كان لكل فصلٍ ألعابه المميزة، ولكل وقتٍ مرحه الخاص، وكانت أيام الطفولة تتجدد كما تتجدد الفصول. لم يكن الركض بالنسبة إلينا مجرد حركة، بل كان متعةً، ومظهرًا من مظاهر القوة، ومعيارًا نتباهى به فيما بيننا.
كانت المطاردة(طايور أو بيرو جندارم) لعبتنا المفضلة، تلك اللعبة التي كنا نخوض غمارها بشغف وحماس، وقد حفظنا قوانينها عن ظهر قلب، ووضعنا لها قواعد خاصة لا يجرؤ أحد على تجاوزها أو الإخلال بها. كان المتبارون الصغار ينقسمون إلى فريقين، لتبدأ بعدها منافسة محتدمة تتعالى فيها الصيحات، وتتشابك خلالها خطوات الركض بين الأزقة والساحات.
وكنا نطارد أفراد الفريق الخصم كما لو أننا رجال شرطة في مهمة حقيقية، فلا تهدأ المنافسة ولا يُعلن عن نهايتها إلا بعد إلقاء القبض على جميع أفراد الفريق المنافس، واقتيادهم إلى مربع خصصناه ليكون بمثابة السجن، حيث يُحتجز الأسرى في انتظار إعلان الانتصار. كانت لعبة بسيطة في ظاهرها، لكنها في مخيلتنا الصغيرة كانت تحاكي مطاردة المجرمين والمخالفين، فنعيش خلالها لحظات من الإثارة والمغامرة، وننسى العالم من حولنا ونحن نركض خلف انتصارٍ صغير كان يبدو لنا يومها أعظم من كل الانتصارات.
أما «الغميضة»، أو لعبة الاختباء، فكانت لها نكهة أخرى، لا تقل إثارةً ومتعة. كان أحدنا يغمض عينيه، أو يستدير إلى الحائط، ويبدأ في العد، مانحًا زملاءه فرصة للبحث عن أماكن يختبئون فيها. وما إن تنتهي المهلة وتُطلق الإشارة المتفق عليها، حتى يبدأ البحث، متنقلًا بين الأزقة والأفنية وخلف الأبواب والجدران، بحثًا عمّٓن اختفوا عن الأنظار. وكان عليه أن يظفر بأحدهم ليحل محله في الجولة المقبلة.
غير أن متعة اللعبة كانت تتحول إلى شيء من الرهبة كلما بدأ ظلام المساء ينسدل على الأزقة الضيقة، التي طالما عبرناها ضاحكين في وضح النهار، تبدوا لنا غامضةً ومخيفة. كنا نتردد في ولوج بعضها، فقد كانت مخيلتنا الطفولية تؤمن بأن العفاريت تتربص بنا في زواياها المعتمة، وتراقب خطواتنا من خلف الأبواب القديمة والثقوب السوداء في الجدران. ومع ذلك، كان حماس اللعب كثيرًا ما ينتصر على الخوف، فنغامر بالدخول، ثم نخرج منها راكضين كأن شيئًا يطاردنا.
أما لعبة «حابة»، فكانت بدورها تقوم على قواعد خاصة، قوامها المطاردة والسرعة واليقظة. كان اللاعب يلاحق خصمه محاولًا لمس كتفه، وبمجرد أن تنجح اللمسة، يُقصى الخصم من اللعب و يعلن خروجه . وكانت المنافسة تحتدم بيننا، فتتعالى الأصوات والضحكات، ويختلط الجد باللعب، وكأننا نخوض بطولةً لا تقل أهمية عن أكبر المباريات التي كنا نسمع عنها.
في ذلك الزمن، لم تكن اللعب الصينية الصنع قد غزت بيوتنا، ولم تكن أسواق المدينة قد امتلأت بما نراه اليوم من لعبٍ جاهزة، براقة ومتنوعة تجذب بألوانها الزاهية شهية الأطفال و أذواقهم. لذلك كنا نصنع ألعابنا بأيدينا، ونبتكر من الأشياء البسيطة عوالم كاملة من المتعة.
كانت كرة القدم لعبتنا الأثيرة، اللعبة التي يشتد فيها التنافس ويحتدم خلالها الجدال، حتى كأننا نخوض مباراة من مباريات الكبار. غير أن الكرة الحقيقية، الملساء المزيّنة، لم تكن في متناول أيدينا جميعًا؛ فقد كان امتلاكها امتيازًا لا يحظى به إلا المحظوظ منا. ومن كان يملك تلك الكرة كان يشعر، ولو للحظات، بأنه صاحب السلطة والقرار؛ يختار من يلعب، ويُقصي من يشاء، ويضع من الشروط ما يحلو له، بل كان من حقه أن يسحب كرته في أي لحظة، خصوصًا إذا شعر بأن فريقه على وشك الهزيمة. أحكامٌ طفولية تتجاوز قانون اللعبة وقواعدها، لكنها كانت يومها جزءًا من متعة اللعب ومشاكسته.
أما حين نعجز عن العثور على تلك الكرة المميزة، فلا خيار أمامنا سوى اللجوء إلى البديل المتواضع: كرة نصنعها بأيدينا من خِرَقٍ بالية، نلفُّها بعضها فوق بعض، ونشدّ عليها بإحكام حتى تستدير وتأخذ شيئًا من هيئة الكرة. لم تكن مستديرة تمامًا، ولا خفيفة كما ينبغي، لكنها كانت بالنسبة إلينا أغلى من أجمل الكرات.
كنا نركض خلفها بأقدام حافية، فوق التراب والحصى،وكان القليل منا فقط يملك نعالًا محلية الصنع تحمي قدميه، أو يرتدي حذاءا لا بناسب مقاس أقدامه، ربما انتقل إليه من أخٍ أكبر أو قريبٍ سبقه إليها، ، لم يكن أحد يشكو، ولم يكن امتلاك الحذاء شرطًا للمشاركة في اللعب، فقد كانت الرغبة في الركض والانتصار أقوى من كل شيء. نركل الكرة بحماس ونطاردها في أزقة الحي، غير عابئين بما قد تتركه الأرض في أقدامنا من خدوش وآثار. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نعرف كيف نصنع من القليل فرحًا كبيرًا؛ لم تكن الكرة مجرد كرة خِرَق بالية ؛ بل كانت قطعةً من طفولتنا تحمل غبار الدروب، وآثار أقدامنا الحافية، وصيحاتنا وضحكاتنا، وخلافاتنا الصغيرة التي كانت تنتهي سريعًا كما بدأت. وحين نتذكرها اليوم، لا نستعيد شكلها الأعوج ولا خِرَقها البالية، وإنما نستعيد معها زمنًا كان فيه القليل يكفينا، وكان الفرح قريبًا منا.
كنا فقراء في الأشياء، أغنياء في الخيال. نصنع ألعابنا بأيدينا، ونمنح الأشياء البسيطة حياةً أخرى في عالم طفولتنا الرحب.
كنا نلتقط الأسلاك من هنا وهناك، ونحولها بأيدينا الصغيرة ونمنحها أشكالًا مختلفة بحسب ما تسعفنا به مخيلتنا وما تقع عليه أيدينا من مواد بسيطة إلى شاحناتٍ وعربات. نصنع هياكلها من صفائح علب الزيت القصديرية الفارغة، أو علب مبيد الحشرات «Flitox»، نقودها باحترافية و كأننا في حلبة السباق و نملأها بما نلتقطه من ثمار الحقول و كأننا ننقل بضاعة ثمينة
أما المحظوظون منا، فكانوا يمتلكون عجلات دراجات بالية، عثروا عليها هنا أو هناك، فيتفاخرون بها بين أقرانهم، ويدفعونها بسلك معقوف، يركضون خلفها وكأنهم يقودون دراجات حقيقية تشق الطرقات بسرعة الريح.
كانت ألعابنا تتبدل بتبدل الفصول والمواسم، فلكل موسم طقوسه ومتعه الخاصة. ومع حلول موسم جني الزيتون، كنا نبحث بين الحقول عمّا يمكن أن نجمعه من حبات الزيتون المتناثرة، وأحيانًا مما نأخذه خفية من حقول أهلنا، ثم نبيعه لنحصل على بعض الدريهمات، نهرع بها إلى دكان القرية لنشتري «البي»تلك الكويرات البلورية ، فتبدأ منافساتنا في مجموعات صغيرة، بحماس لا يقل عن حماس الكبار في ملاعبهم. نرسم دائرة على الأرض، دائرة صغيرة على الأرض، ثم نملؤها بالكريات الزجاجية اللامعة، ونقف عند خطّ الانطلاق نتحفّز لرمي كرياتنا البلورية. كانت البداية نفسها جزءًا من متعة اللعبة؛ نقذف كرياتنا نحو الخط، ونترقب، بعيون مشدودة وأنفاس محبوسة، أيّها ستكون الأقرب إليه. فمن حَظِيّٓ بأقرب كرية، كانت له أسبقية التصويب نحو الدائرة.
وحين يحين دوره، كان يتهيأ بكل ما أوتي من تركيز ودقة، يثبت كرية التصويب بين أصابعه، ثم يطلقها نحو الدائرة، وكأن مصير المعركة كلها معلق بذلك القذف. فإذا أصابت هدفها وأخرجت عددًا من الكريات إلى خارج الدائرة، تعالت صيحات الفرح، وارتفعت أصوات الاحتفال، بينما كان الخاسرون يتجرعون مرارة الخيبة للحظات، قبل أن يعودوا إلى المحاولة من جديد.
وهكذا، بين إصابة تخطف الكريات من قلب الدائرة، وقذفة تخيب هدفها، كانت طفولتنا تمضي خفيفةً كأنها لا تعرف للهٓمِّ طريقا. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك تلك اللحظات الصغيرة التي كانت تكفي لتملأ عالمنا الضيق فرحًا، وتجعل من حفنة كريات زجاجية لعبة تساوي عندنا كنوز الدنيا كلها.
لم نكن ندرك يومها ، ونحن نبتكر ألعابنا من لا شيء، أننا كنا نصنع أيضًا أجمل ذكريات العمر؛ ذكريات ستظل، مهما ابتعدت الأيام، معلقةً في أزقة القصر، تحفظها الجدران، وترددها الحواري كلما عاد إليها طفل الأمس، محمّلًا بالحنين .كان هذا عالمنا نحن
كان هذا عالمنا نحن الصغار أما الكبار، فكان لهم عالمهم الخاص، عالمٌ بدا لنا نحن الأطفال لغازا بعيد المنالؤ، تحكمه ألعاب ومغامرات لا يُسمح لنا الإنخراط فيها. كان شبان قريتنا يقضون جلَّ أوقاتهم خارج القصر، مصحوبين بكلابهم الأليفة ،حيث تتسع فسحة الحرية، فتارةً يمضون إلى برك الوادي العميقة، يقتحمون مياهها رغم ما يحيط بها من خطر، وتارةً يتصارعون على الرمال الناعمة الممتدة على ضفتيه، فيعلو ضحكهم وتتعالى صيحاتهم وهم يتبارون في القوة والمهارة. وأحيانًا كانوا ينصبون الفخاخ بين الأعشاب والشجيرات، يتربصون بالطيور في صبرٍ وحذر، وكأنهم يخوضون مغامرة لا يعرف خباياها سواهم.
كنا نتابع أخبارهم ومغامراتهم من بعيد، مأخوذين بما يفعلون، تملؤنا الدهشة والإعجاب، وننظر إليهم كما لو أنهم ينتمون إلى عالم آخر؛ عالم أكبر من عالمنا الصغير، وأكثر اتساعًا وإثارة. وكانت مغامراتهم، في مخيلتنا الطفولية، حكاياتٍ لا تنتهي، نعيد روايتها فيما بيننا، ونحلم بيومٍ نكبر فيه فنلحق بهم، ونصبح يومًا جزءًا من ذلك العالم الذي كان يبدو لنا يومها غامضًا، ساحرًا، ومليئًا بالمغامرات.
اليوم، حين أستعيد تلك الصور من بعيد، أشعر أن ما كان يبدو لنا يومها مجرد لعبٍ ومغامرات، لم يكن في الحقيقة سوى فصلٍ جميل من فصول طفولة القصر؛ طفولةٍ كانت تجد فرحها في الوادي، وعلى الرمال، وبين النخيل، وفي تلك المساحات الصغيرة التي كانت تتسع في مخيلتنا حتى تصبح عالمًا بأكمله.
وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟
راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

0 تعليقاً
احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.