أقلام حرة شوف أشطاري ميديا

الامتثال الجبائي… حين تتحول الضريبة من عبء مالي إلى ميزة تنافسية للمقاولة المغربية

الامتثال الجبائي… حين تتحول الضريبة من عبء مالي إلى ميزة تنافسية للمقاولة المغربية

بقلم: الأستاذ السليماني مولاي عبد الله

خبير في المالية والحكامة والتدقيق

لم تعد الضريبة في الاقتصادات الحديثة مجرد التزام قانوني يؤديه الملزم تفادياً للغرامات والعقوبات، بل أصبحت معياراً أساسياً لتقييم مصداقية المقاولات، ومؤشراً على جودة الحكامة، وعنصراً مؤثراً في قدرتها على جذب المستثمرين والتمويلات والشراكات. لذلك برز مفهوم “الامتثال الجبائي” (Le Civisme Fiscal) باعتباره أحد أهم مقومات التنافسية الاقتصادية والتنمية المستدامة.

ورغم أن النقاش العمومي في المغرب يركز غالباً على العبء الضريبي، وارتفاع نسب بعض الرسوم، وتعدد الالتزامات المفروضة على المقاولات، فإن جانباً آخر لا يقل أهمية يستحق النقاش، وهو كيف يمكن للامتثال الجبائي أن يتحول إلى ميزة تنافسية تمنح المؤسسة قيمة مضافة تتجاوز بكثير تكلفة الضريبة نفسها.

فالاقتصاد الحديث لم يعد يقيس نجاح المقاولة بحجم أرباحها فقط، وإنما أيضاً بدرجة التزامها بالقانون، وشفافية معاملاتها، وجودة حكامتها، ومدى احترامها لحقوق الدولة والشركاء والأجراء والمجتمع.

لقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة إصلاحات ضريبية مهمة، كان أبرزها إصدار القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، وعقد المناظرات الوطنية للجبايات، وإطلاق مسار رقمنة الإدارة الضريبية، إضافة إلى اعتماد المساهمة المهنية الموحدة، وتوسيع الخدمات الإلكترونية، وتعزيز آليات تبادل المعلومات بين الإدارات. كل هذه الإصلاحات تهدف إلى بناء علاقة جديدة بين الإدارة الجبائية والملزم، تقوم على الثقة والشفافية والامتثال الطوعي.

لكن الواقع يبين أن عدداً من المقاولات، خصوصاً الصغرى والمتوسطة، لا تزال تنظر إلى الضريبة باعتبارها تكلفة يجب تقليصها بكل الوسائل، بينما تؤكد التجارب الدولية أن احترام الالتزامات الجبائية أصبح عاملاً حاسماً في تعزيز القدرة التنافسية.

فالامتثال الجبائي يمنح المقاولة أولاً المصداقية. فالأبناك والمؤسسات المالية أصبحت تدرس الوضعية الضريبية للمقاولة قبل منح أي تمويل، لأنها تعتبرها مؤشراً على جودة التسيير والقدرة على الوفاء بالالتزامات. كما أن المستثمرين المحليين والأجانب يفضلون الاستثمار في شركات ذات وضعية قانونية وجبائية سليمة، لأن ذلك يقلل من مخاطر الاستثمار.

ومن جهة أخرى، يشكل الامتثال الجبائي شرطاً أساسياً للمشاركة في عدد كبير من الصفقات العمومية والخاصة، إذ تطلب الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة بانتظام شهادات تثبت الوضعية الجبائية السليمة، وهو ما يجعل المقاولة الملتزمة أكثر قدرة على ولوج الأسواق.

كما يساهم الامتثال في تقليص مخاطر المراجعات الجبائية والنزاعات والغرامات والفوائد، وهي تكاليف قد تكون في بعض الأحيان أكبر بكثير من قيمة الضريبة الأصلية، وقد تؤثر على سيولة المقاولة واستمراريتها.

ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي، بل يمتد إلى سمعة المؤسسة. ففي عالم أصبحت فيه المسؤولية الاجتماعية والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) من المعايير المعتمدة دولياً، فإن احترام الالتزامات الجبائية يعد أحد مؤشرات المواطنة الاقتصادية، ويعزز ثقة الزبناء والموردين والشركاء.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الضريبة ليست مجرد مورد لخزينة الدولة، بل هي الوسيلة الأساسية لتمويل التعليم والصحة والطرق والموانئ والأمن والعدالة والبنيات التحتية، وهي كلها عناصر تستفيد منها المقاولة بشكل مباشر وغير مباشر. لذلك فإن الامتثال الجبائي يمثل استثماراً في البيئة الاقتصادية التي تمارس فيها المؤسسة نشاطها.

غير أن تحقيق امتثال جبائي فعّال لا يمكن أن يكون مسؤولية الملزم وحده، بل يتطلب أيضاً إدارة ضريبية حديثة، ومساطر مبسطة، وعدالة جبائية، واستقراراً تشريعياً، وسرعة في معالجة الملفات، واعتماد الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتقليل الأخطاء وتعزيز الثقة.

كما أن نشر الثقافة الجبائية يجب أن يبدأ منذ التكوين الجامعي والمهني، وأن يصبح جزءاً من برامج تكوين رجال الأعمال والمحاسبين والمديرين الماليين، لأن الامتثال ليس مجرد معرفة بالنصوص القانونية، بل هو ثقافة مؤسساتية تقوم على النزاهة والشفافية.

وفي المقابل، فإن التهرب الضريبي، والغش، وإخفاء المعاملات، وإن كانت تحقق مكاسب مؤقتة، فإنها تضعف تنافسية المقاولة على المدى الطويل، وتحرمها من التمويل، وتعرضها لمخاطر قانونية ومالية قد تهدد استمرارها.

إن التجارب الدولية تثبت أن الدول التي نجحت في تحسين الامتثال الجبائي لم تعتمد فقط على تشديد المراقبة، بل عملت على بناء علاقة شراكة بين الإدارة والملزم، تقوم على الثقة، والتبسيط، والرقمنة، والعدالة، والتحفيز.

واليوم، ومع التوجهات الجديدة للإصلاح الجبائي بالمغرب، أصبح من الضروري أن تنتقل المقاولة المغربية من منطق “كيف أقلل الضريبة؟” إلى منطق “كيف أجعل الامتثال الضريبي مصدر قوة وتنافسية؟”.

فالاستثمار الحقيقي لا يكمن في التهرب من الضريبة، وإنما في بناء مؤسسة شفافة، ذات حكامة جيدة، قادرة على كسب ثقة الأبناك، والمستثمرين، والإدارة، والأسواق.

إن الامتثال الجبائي لم يعد مجرد واجب قانوني، بل أصبح رأس مال غير مادي يعزز قيمة المقاولة، ويرفع تصنيفها، ويزيد من قدرتها على التمويل والتوسع، ويمنحها أفضلية تنافسية في سوق أصبح يقدر الشفافية بقدر ما يقدر الربحية.

إن المقاولة المواطنة هي التي تدرك أن أداء الضريبة ليس خسارة، بل مساهمة في بناء اقتصاد قوي، وأن الامتثال الجبائي ليس عبئاً، بل استثمار في الثقة، والحكامة

عبد الواحد الحسناوي
مراسل

عبد الواحد الحسناوي

يساهم في تغطية الأخبار وإنتاج المحتوى التحريري لشوف أشطاري.

استكشف كل مقالات الكاتب ←
الدقة أولاً

وجدت معلومة تحتاج إلى تصحيح؟

راسل هيئة التحرير مع رابط المقال والتفاصيل، وسنراجعها وفق ميثاقنا المهني.

راسل التحرير
النشرة الإخبارية

الخبر المهم، من دون ضجيج

ملخص يومي لأبرز المستجدات واختيارات هيئة التحرير.

نقاش القراء

0 تعليقاً

احترم الآخرين وناقش الفكرة من دون تجريح أو معلومات شخصية.

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *